القلق: أسبابه وعلاجه

بقلم: الدكتور محمد الخرشافي

تعريف القلق

القلق لغة:

لفظة "القلق" مكونة من مادة (ق ل ق) وهذه المادة في اللغة تدل على الانزعاج والاضطراب والحركة.

قال ابن منظور في لسان العرب : (( قلق ) القَلَقُ الانزعاج، يقال بات قَلِقاً وأقلَقَهُ غيره (*)

وقال مرتضى الزبيدي في تاج العروس : (القَلَق مُحرّكة : الانْزِعاج). (*)

والقَلْقَلَة: القَلَق؛ تَقَلْقَلَ الرجلُ، إذا تحرّك من جزع أو فزع. وقلقل الحزن قلبه مثل ذلك. (*)

وجاء في مجلة مجمع اللغة العربية : القلق: حالة تتميز بالخوف مما قد يحدث. (*)

والقلقلة في اللغة : الاضطراب.

أما عند علماء التجويد : فمعنى القلقلة في اصطلاحًهم : اضطراب الصوت عند النطق بالحرف حتى يسمع له نبرة قوية.

القلق اصطلاحا:

عُرِّف القلق بتعاريف متعددة منها :

حالة انفعاليّة مصحوبة بالخوف أو الفزع؛ تحدث كردّ فعل لخطر موجود أو متوقّع.

أو : حالة نفسيّة مؤلمة تنتج عن شعور الإنسان بالعجز في مواقف الإحباط والصّراع.

أو هو : حالة توتّر شامل ومستمرّ نتيجة توقّع تهديد خطر فعليّ أو احتماليّ يصحبها خوف غامض وأعراض جسميّة ونفسيّة.

من فصائل القلق

هناك عدة أدواء تصيب الإنسان في العصر الحاضر؛ منها القلق كما تقدم، ومنها الحزن؛ وكثيرا ما يرتبط بالماضي المحزن، ومنها الهم؛ ويغلب عليه التخوف مما يأتي به المستقبل، ومنها الكرب وهي الشدة، ومنها المصيبة تصيب الإنسان وهي شدة تصيب الإنسان دون أن يكون متوقعا لها..

أسباب القلق: فأسباب القلق كثيرة ومن أهمها:

1 ــ البعد عن الله جل وعلا

لأن من ابتعد عن الله، تخلى الله عن حفظه ورعايته كما قال الله تعالى: "نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ " [التوبة : 67]، ومن نسيه الله فلم يحفظه تسلطت عليه الشياطين، وغلب عليه الهوى، وأحاط به قرناء السوء، فاجتمعت عليه أسباب الضلال والغواية والشر، قال الله تعالى: "أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا " [مريم : 83]، وقال تعالى: "وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)" [طه: 124]، فالإعراض عن الله والوقوع في المعاصي أعظم سبب للقلق.

2- التشبث بالدنيا والحرص عليها وجعلها الغاية القصوى

إن العمل للدنيا خاصة لتحقيق غاياتها يجعل كل همه منصبا عليها؛ فإذا لم تحصل للشخص تلك المطامح أصيب بالقلق، وفي سنن ابن ماجه عن ابن مسعود قال: سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول من جعل الهموم هما واحدا هم آخرته كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك). (*) رواه الترمذي ( 2389 ) وصححه الشيخ الألباني في " صحيح الجامع " ( 6510 ).

من كان معتقدا بالقضاء والقدر وبأن الرزق من الله سبحانه وتعالى وجب عليه ألا يقلق على رزقه، فإن هو فعل فذلك القلق لا يزيده إلا تعبا وهما وحزنا، روى أنس ابن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له" . (*)

3- الجهل بحقيقة القضاء والقدر

إن اعتقاد المؤمن بحقيقة القدر تنبت في قلب صاحبها السكينة والطمأنينة وتجعل يعمل لينال وهو في ذلك يؤمن أنه هو وغيره من بني آدم لا يخرج عن دائرة المقادير وأنه لن يصل إليه في هذه الحياة إلا ما قدره الله له، ولا يصرف عنه إلا ما قدر الله صرفه عنه، قال الله تعالى عن المؤمنين: "قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ " [التوبة: 51]، فالتوكل على الله والرضا بقضائه وقدره يبعد القلق والاضطراب، ويجعل الإنسان في راحة وطمأنينة؛ لأنه يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه.

أمور تعين على نفي القلق وإبعاده

1 ـــــ الإيمان والعمل الصالح يورث السعادة وينفي القلق

قال تعالى : "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " [النحل : 97].

2 ــــ الرضا بقضاء الله وقدره

روى ابن ماجة في سننه عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم؛ فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط). (*)

روى الإمام مسلم في صحيحه عن صهيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له). (*)

3 ــــ الموازنة بين المصالح الدنيوية والأخروية

شأن المؤمن أن يزن الأمور بموازين دقيقة، وأن يضع كل شيء في موضعه الذي يستحقه؛ فلا يغالي ولا يجافي؛ يضع الدنيا في موضعها، ويضع الآخرة في موضعها، يجمع بين ما يحياه لحياة الدنيا، وما يحياه لحياة الآخرة؛ وهو في ذلك لا يغيب عنه قوله تعالى : "وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ " [العنكبوت : 64].

4 ـــــ العلم بكون الوصول إلى الغايات والأهداف إنما هو بتوفيق الله عز وجل

المؤمن إذا أراد تحقيق هدف أو الوصول إلى غاية فإنما عليه أن يتخذ الأسباب لذلك أما تحقيق ذلك والوصول إليه فقد يتحقق ويكون وقد لا يكون؛ لأن ذلك ليس بيده؛ فإن تَحَقَّق له مأموله حمد الله على ذلك؛ وإن لم يحصل فحسبه أنه سلك الطريق المأمور به؛ والمؤمن الحق هو من جمع بين اتخاذ السبب والتوكل على الله.

5 ـــــ ذكر الله على كل حال، تحصل به الطمأنينة ويزول به القلق

لذكر الله منافع كثيرة تعود على المؤمن ومن أقرب هذه المنافع ما تورثه في قلب الذاكر من الطمأنينة ونفي القلق عنه : قال تعالى : "الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ " [الرعد : 28].

6 ـــــ اللجوء إلى الصلاة

على من يصيبه الغضب ألا يستسلم له بل يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا كان قائمًا فليجلس، وإذا كان جالسًا فليضطجع، وإذا زاد به الغضب توضأ حتى يزول عنه، وإذا توضأ فليصل؛ لأن في الصلاة قرب ومناجاة لله تعالى، وشأن المؤمن الذي هذا حاله أن يزول عنه القلق؛ قال تعالى في سورة الحجر : "وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ . وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ " [الحجر:97ـ 99]. ومعنى الآية أن رسول الله كان على يقين من صدق نبوته ورسالته وكان يريد من قومه أن يتبعوه لينجو من عذاب الله يوم القيامة فهو شديد الحرص على هدايتهم وسلامتهم من العذاب يوم القيامة، لكنهم يقابلون دعوته بالإعراض والجحود، ولا يكتفون بذلك بل يضيفون إلى إنكارهم قولا فظيعا في الرد والإعراض والبهتان؛ فكان يضيق صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك فأرشده الله إلى علاج ذلك؛ قال ابن جرير الطبري في تفسير الآية : (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولقد نعلم يا محمد أنك يضيق صدرك بما يقول هؤلاء المشركون من قومك من تكذيبهم إياك واستهزائهم بك وبما جئتهم به، وأن ذلك يُحْرِجك( فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) يقول: فافزع فيما نابك من أمر تكرهه منهم إلى الشكر لله والثناء عليه والصلاة، يكفك الله من ذلك ما أهمّك) (*)

وقد روى الطبري بسند صحيح عن حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه (*) أمر صلى. (*)

وهذا التوجيه الرباني ليس خاصا برسول الله صلى الله عليه وسلم بل عام في سائر المؤمنين قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (البقرة:153) والصلاة طاردة للقلق لأن الصلاة بطبيعتها وما فيها من خشوع وطمأنينة ومناجاة ودعاء تسكن نفس المصلي وتجدد نشاطه. وفي الصلاة راحة وطمأنينة ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يَا بِلاَلُ أَقِمِ الصَّلاَةَ أَرِحْنَا بِهَا ». (*)

7 ــ الصبر والاسترجاع

يقول الله سبحانه وتعالى : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" (البقرة:153)ويقول عز من قائل : "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ" (البقرة:155ـ 156).

8 ــ الاحتساب

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (ما من مسلم يصيبه أذى، شوكة فما فوقها، إلا كفر الله بها سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها). (*)

عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال :" ما من مسلم يشاك شوكة، فما فوقها إلا كُتِبت له بها درجة، ومُحيت عنه بها خطيئة). (*)

عن أبي سعيد، وأبي هريرة أنهما سَمِعَا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول : "ما يصيب المؤمن من وصب، ولا نصب، ولا سقم، ولا حزن حتى الهم يهمه، إلا كفر به من سيئاته " (*)

عن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال : " عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط ". (*)

عن سعد بن أبي وقاص أنه قال : يا رسول الله من أشد الناس بلاء ؟ قال : "الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، ويبتلى العبد على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يدعه يمشي على الأرض، وما عليه خطيئة"

9 ـــ تلاوة القرآن

روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : الْبَيْتُ الَّذِي لاَ يُقْرَأُ فِيهِ الْقُرْآنُ كَمَثَلِ الْبَيْتِ الْخَرِبِ الَّذِي لاَ عَامِرَ لَهُ.( وهذا إسناد صحيح).

وروى أبو بكر الْفِرْيَابِيِّ في "كتاب فضائل القرآن" بسنده إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أنه قال : "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مَأْدُبَةُ اللَّهِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا فَلْيَفْعَلْ، فَإِنَّ أَصْغَرَ الْبُيُوتِ بَيْتٌ لَيْسَ فِيهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ شَيْءٌ، كَالْبَيْتِ الْخَرِبِ الَّذِي لَا عَامِرَ لَهُ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ لِيَخْرُجُ مِنَ الْبَيْتِ أَنْ يَسْمَعَ فِيهِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ تُقْرَأُ فِيهِ" (وهو صحيح موقوف) (*)

إن كلّ من أعرض عن عبودية الله وطاعته ومحبته بُلِيَ بعبوديتة للمخلوق ومحبته وخدمته له، ومن لاَزِمِ ذلك إعراضه عن القرآن الكريم؛ ويقول عز وجل : "وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ" [الزخرف: 36]. ومعنى "يعشُ" من قولك : عَشا الرجل إذا أظلم بصره، والمراد به هنا ظلمة القلب والبصيرة التي تؤدي إلى الإعراض عن كتاب الله، قال الزمخشري : عشا الرجل يَعْشو إذا حصلت الآفة في عينيه.

والمعنى العام للآية : ومن يتعام عن ذكر الرحمن، ويعرض عن قرآنه، ويتجاهل هدى رسوله صلى الله عليه وسلم "نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً " أى، نهيئ له شيطانا رجيما يستحوذ عليه، ويستولي على قلبه وعقله. ونقل ابن القيم رحمه الله عن شيخه ابن تيمية -رحمه الله- أنه سمعه يقول في واقعة عظيمة جرت له في مرضه، تأججت العقول عن حملها من محاربة أرواح شيطانية، ظهرت، إذ ذاك في حال ضعف القوة، قال: فلما اشتد عليَّ الأمر - والقول لـشيخ الإسلام - قلت لأقاربي ومَنْ حولي: اقرءوا آيات السكينة، فقرؤوها؛ قال: ثم أقلع عني ذلك الحال وجلست وما بي قلبه. قال ابن القيم رحمه الله: وأنا جربت أيضاً قراءة هذه الآيات عند اضطراب القلب بما يرد عليه، فرأيت لها تأثيراً عظيماً في سكونه وطمأنينته. والمراد بآيات السكينة الواردة في القرآن الآيات الست :

الأولى: قوله تعالى: وقال لهم نبيهم: "وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " [البقرة: 248]

الثانية قوله تعالى : "ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ" [التوبة: 26].

الثالثة: قوله تعالى: "إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" [التوبة: 40].

الرابعة: قوله تعالى: "هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا" [الفتح: 4]

الخامسة: قوله تعالى: "لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا" [الفتح: 18].

السادسة : قوله تعالى: "إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا" [الفتح: 26].

10 ــــ علاج الهم والحزن بالذكر والدعاء والاستغفار

ـــ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (أَلا أُعَلِّمُكِ كَلِمَاتٍ تَقُولِينَهُنَّ عِنْدَ الْكَرْبِ أَوْ فِي الْكَرْبِ : "اللَّهُ اللَّهُ رَبِّي لا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا". (*)

وفي رواية (*) في صحيح الجامع : " من أصابه همٌّ أو غمٌّ أو سقمٌّ أو شدَّة فقال : الله ربي لا شريك له كُشف ذلك عنه ". وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل همٍ فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب" رواه أبو داود و النسائي. عن أم سلمة أنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله : إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها - إلا أخلف الله له خيرا منها. وقد فَعَلَت ذلك أم سلمة لما ابتليت بفاجعة موت زوجا أبو سلمة؛ فاستجاب الله لها وعوضها خيرا من أبي سلمة؛ عوضها برسول الله صلى الله عليه وسلم زوجا لها. (*)

عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم : "أن ذي النون كان دعاؤه وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وأنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله تعالى له" أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم. عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : "إذا فزع أحدكم في النوم فليقل : أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون فإنها لن تضره". (*)

وقد ورد في السنّة النبوية أدعية أخرى بشأن الغم والهم والكرب ومنها: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ : "لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ" (*)

وعن أنس رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر قال : (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث). (*)

ومن الأدعية النافعة في هذا الباب كذلك : "اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ". (*)

وعن مسلم بن أبي بكرة؛ قال : سمعني أبي وأنا أقول: اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الهمّ والكسل وعذاب القبر. قال: يا بنيّ ممّن سمعت هذا؟ قلت : سمعتك تقولهنّ. قال: الزمهنّ، فإنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقولهنّ. (*)

ومن أعظم الأدعية في إذهاب الهمّ والغم والحزن وتفريج الكربات : الدعاء العظيم المشهور الذي حثّ النبي صلى الله عليه وسلم كلّ من سمعه أن يتعلّمه ويحفظه : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَصَابَ أَحَداً قَطُّ هَمٌّ وَلا حَزَنٌ فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي إِلا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجا قَالَ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا نَتَعَلَّمُهَا فَقَالَ بَلَى يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا). (*)

فإذا لهج العبد بهذه الأدعية بقلب حاضر، ونية صادقة، مع اجتهاده في تحصيل أسباب الإجابة، حقق الله له ما دعاه ورجاه وعمل له، وانقلب همه فرحاً وسروراً.

الأصول العامة في علاج القلق والهم والحزن

  1. الجمع بين الإيمان والعمل الصالح.
  2. الاشتغال بالعلم النافع.
  3. الإنابة إلى الله والإقبال عليه والتنعم بعبادته.
  4. ملازمة الأذكار النبوية.
  5. الإحسان إلى الناس، وإدخال السرور على قلوبهم؛ والتنفيس عن المعسر فيهم، أو الحط من دينه، أو الأداء عنه، فالكريم المحسن أشرح الناس صدرا وأطيبهم نفسا وأنعمهم قلبا.
  6. روى الإمام مسلم في صحيحه عن عبدالله بن أبي قتادة : أن أبا قتادة طلب غريما له فتوارى عنه ثم وجده فقال إني معسر فقال آلله ؟ (*) قال ألله قال فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر (*) أو يضع عنه" وروى البخاري في صحيحه عن ابن شهاب أن سالما أخبره أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أخبره : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة " (*)
  7. إخراج دغل القلب منه؛ فمن سلم قلبه من الغل والحقد والحسد والعداوة والشحناء والبغي انشرح صدره واطمأن قلبه ونزعت نفسه إلى سائر المكرمات. عن عبد الله بن عمرو، قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الناس أفضل ؟ قال : " كل مخموم القلب، صدوق اللسان "، قالوا : صدوق اللسان، نعرفه، فما مخموم القلب ؟ قال : " هو التقي النقي، لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غل، ولا حسد " (*)
    وروى الإمام أحمد و النسائي وغيرهما (*) من حديث أنس بن مالك؛ قال : كنا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة؛ فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد تعلق نعليه في يده الشمال، فلما كان الغد قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك؛ فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه و سلم مثل مقالته أيضا؛ فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام النبي صلى الله عليه و سلم تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال : إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثا فإن رأيت ان تؤويني إليك حتى تمضي فعلت؟ قال : نعم. قال أنس وكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئا غير أنه إذا تعار وتقلب على فراشه ذكر الله عز و جل وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر. قال عبد الله غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرا فلما مضت الثلاث ليال وكدت أن احتقر عمله، قلت : يا عبد الله إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر ثَمَّ ولكن سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه و سلم يقول لك ثلاث مرار : يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلعتَ أنت الثلاث مرار؛ فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فاقتدى به. فلم أركَ تعمل كثير عمل فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال : ما هو إلا ما رأيت، قال فلما وليت دعاني، فقال ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا ولا أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه فقال عبد الله هذه التي بلغت بك وهى التي لا نطيق).
    وعن أنس- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأبي طلحة: التمس لنا غلاما من غلمانكم يخدمني. فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه فكنت أخدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كلّما نزل، فكنت أسمعه يُكثر أن يقول: اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الهمّ والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدّين (*) ، وغلبة الرجال. (*)