ضرورة التوفيق بين العلاجات الطبية و الطبيعية و الروحية

إذا كان الطب العضوي و النفسي و العقلي المعاصر قد تمكن من تسكين آلام العديد من حالات ضيق الصدر الخطيرة في العالم، و تمكن من ضبط العديد من نوباتها، و لاسيما بفضل خدمات الطب الاستعجالي أو الإنعاشي المتطورة، منقذا بذلك حياة الملايين من البشر، فإنه يتعين التذكير بأن العديد من حالات الضيق الصدر التي تُنْعَت بالإزمان قد شُفيت بفضل الله و مِنَّته. و هي حالات لمْ ينفع معها علاج طبي عضوي أو عقلي أو نفسي (مادي)، و إنما شُفيت بواسطة العلاج الطبيعي أوالعلاج الروحي الرباني الذي جاء به محمد صلى الله عليه و سلم الذي أرسله الله عز و جل رحمة للعالمين.

فبخصوص العلاج الطبيعي، و لأن الحالات الخاصة بضيق الصدر متنوعة، و حيث إن أمراض هذا الضيق عديدة و أكثر مِنْ أنْ يُغطيها جوابٌ عام، فإن المتخصصين ينصحون بمباشرة العلاج في إطار تعاون وثيق بين الطبيب المعالج و بين خبير العلاج الطبيعي، بهدف استبعاد أي خطر، و ذلك في انتظار أن يكتسب المعالـَـج تدريجيا مناعة حقيقية و استقلالية إزاء الدواء.

و أنتهز هذه الفرصة، ِللَفْت انتباه المعالـَجين إلى نقطتين:

أولا، يتعين عليهم أن يظلوا تحت المراقبة الطبية و الصيدلية المتخصصة، و إن كان العلاج المتبع طبيعيا.

ثانيا، يُمنعُ عليهم مَنْعـًا كليا التوقف عن المعالجة الطبية دون الاستشارة المسبقة للطبيب المعالج.

و بخصوص دور القوة الروحية في التوازن الصحي كتب الدكتور ابن عبود ـ رحمه الله ـ قائلا:" لقد أخذت هذه الفكرة الأخيرة تتبوأ مكانا مرموقا عند عدد وافر من الأطباء في العالم كله عندما يقولون ما معناه: لو علم الناس ما للطاقة الروحية من فائدة علاجية على الجسم و النفس، لتخلى و استغنى الإنسان عن استعمال كمية وافرة من الأدوية التي في معظمها لا تعالج إلا الأعراض و لا تنفد إلى الأسباب بأي وجه من الوجوه[...]. إن الدور و التأثير الذي تؤثر به الروح لعلاج الجسم لم يعد شيئا يدعو إلى التعجب في آخر هذا القرن العشرين حيث تعددت العلاجات النفسية بالنسبة لعدد كبير من أمراض الجسم" . (*)

و عَبَّر عن جانب من المشاكل التي يعرفها الطب في هذا الصدد قائلا:" إن الطب الحديث رغم مجهوداته المتواصلة يُصرح بعجزه عن حل مشكلة الإنسان و خصوصا العلاقة بين النفس و الجسم، و يترك العقل في حيرته و ارتباكه[...] فكيف يمكن للطبيب أن يطمئن[...] و هو حيران في تصوراته" . (*)

و عن الأمراض التي تـُـشفى رغم نعتها بالمزمنة من طرف الطب كتب الدكتور الفيلالي قائلا: " يمكن تفسير هذه الظاهرة بسهولة، إذا قبلنا المبدأ الذي يُخَوِّل جسم الإنسان تدبير شؤونه و مهامه بتوزيع قواه، أو رأس ماله الصحي، على مختلف أعضائه. و في هذه الحالة، فإن الاختفاء العفوي لهذه الاضطرابات و الأمراض، ينتج عن توظيف الجسم للأعضاء المصابة بالقوى اللازمة لذلك، شريطة أن تكون هذه الإصابات قابلة للإصلاح و الترميم.

و هذه التعبئة لقوى الجسم لصالح الأعضاء المعطوبة، يمكن أن تحصل في ظروف مختلفة، مثلا أثناء أداء الفرد لفريضة الحج، أو بعد تعرضه لصدمة نفسية أو لحادثة ما". (*)

و لدى حديثه عن غذاء الرُّوح في أحد البرامج التلفزية، قال الدكتور عبد الله بن عبد العزيز المصلح، الأمين العام للهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن و السنة، ما يلي: هناك نعمة أعظم من نعمة الطعام و الشراب و الملبس و الهواء، إنها نعمة الإيمان التي يتغذى بها روح المؤمن. إن غذاء الروح لا بد أن يكون رُوحًا من جنس الروح الذي يحتاج إليه. و لذلك وصف الله عز و جل القرآن الكريم بأنه رُوح: ﴿ و كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا. ما كنت تدري ما الكتاب و لا الإيمان و لكن جعلناه نورا نهدي به مَنْ نشاء من عبادنا﴾ [سورة الشورى: 52]. لقد جعل الله هذا القرآن نورا لهذه القلوب: فإذا صليت تغذى روحك، و إذا صُمت تغذى روحك، و إذا ذكرت الله تغذى روحك، و إذا تصدقت تغذى روحك، إلخ.

و عن إهمال جانب الروح، قال الدكتور محمد الخرشافي مؤخرا، ما يلي: في هذا الزمان سادت موجات القلق و الاضطراب و هَمَّ الهَلَعُ و الخوف مِنََ المستقبل و على المستقبل، و ضعُفت الصلة بنور الله (مُنزِل السكينة و واهِب الطمأنينة) و ُأهمِل جانب الروح فحصل الذهول عن أدواء النفوس و مُرَققات القلوب. إن العلاج في الإسلام ليس بتناول السموم و المخدرات، بل هو بتجديد الصلة بالله تعالى و الالتجاء إليه. إن الحياة حياة القلوب، حياة الصلة بالله. و عندما رأى أهل العقل الحصيف، و أولوا اللُّب السليم، الذين نعتهم الله بأولي الألباب سطوة الدنيا بأهلها، لجأوا إلى حصن الإيمان و سلاح الدعاء؛ فرأوا فيه سعادتهم، فانتشرت ألوية الاطمئنان على نفوسهم. إنهم فروا إلى جنب الله و التجأوا إلى حِماه. لقد أدركوا فيما أدركوا أن جميع الخلائق فقراء إلى خالقهم . (*)

و سبق للدكتور كاريل أن لاحظ في هذا الصدد أن الأمراض العقلية أكثر عددا من جميع الأمراض الأخرى مجتمعة. و لهذا فإن المستشفيات تَعُجُّ ِبنـُـزَلائها و تعْجز عن استقبال جميع الذين يحتاجون إلى الرعاية، مُوَضحا أن الاضطرابات العصبية و العقلية آخذة في الزيادة و أنها أكثر العناصر نشاطا في جلب الشقاء للأفراد و تحطيم الأسر . (*)

كما سبق لابن قيم الجوزية ـ رحمه الله ـ في "الطب النبوي" أن ميز بين العلاج بالأدوية الطبيعية و بين العلاج بالأدوية الروحانية و العلاج بالمركب منها.

و فيما يخص رياضة النفوس، ذكَرَ أن هذه الرياضة تتم "بالتعلم و التأدب، و الفرح و السرور، و الصبر و الثبات، و الإقدام و السماحة، و فعل الخير، [...] . (*)

و بخصوص أنواع الأدوية الروحية التي تشفي الأمراض المستعصية قال:

إنها" الأدوية القلبية و الروحانية و قوة القلب و اعتماده على الله و التوكل عليه و الالتجاء إليه و الانطراح و الانكسار بين يديه و التذلل لـه و الصدقة و الدعاء و التوبة و الاستغفار و الإحسان إلى الخلق و إغاثة الملهوف و التفريج عن المكروب، فإن هذه الأدوية قد جَرّبتها الأمم على اختلاف أديانها و مِللها، فوجدوا لها من التأثير في الشفاء ما لا يصل إليه علم أعلم الأطباء، و لا تجربته، و لا قياسُه.

و قد جرَّبنا نحن و غيرنا من هذا أمورا كثيرة، و رأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية الحِسّيّة [...] و[...] الأسباب متنوعة فإن القلب متى اتصل برب العالمين، و خالق الداء و الدواء، و مدبِّر الطبيعة و ُمصَرِّفها على ما يشاء كانت له أدوية أخرى[...] و قد عـلم أن الأرواح متى قويت، و قويت النفس و الطبيعة تعاونا عل دفع الداء و قهره[...] و علق النبي صلى الله عليه و سلم البُرء بموافقة الداء للدواء[...] فإن الدواء متى جاوز درجة الداء في الكيفية، أو زاد في الكمية على ما ينبغي، نَقَلَه إلى داء آخر، و متى قصر عنها لم يَفِ بمقاومته، و كان العلاج قاصراً، و متى لم يقع المداوي على الدواء[...] و متى كان البدن غير قابل له، أو القوة عاجزة عن حمله، أو ثَمَّ مانع يمنع من تأثيره، لم يحصل البُرء لعدم المصادفة[...]" . (*)

لكن، ماذا عن أركان العلاج الروحي لضيق الصدور؟