كيف تصوم رمضان لتستفيد من رحمة الرحمان

بقلم: الأستاذ الدكتور محمد فائد بلمحجوب
(الاختصاص العام : علوم الأغذية والتغذية الاختصاص الدقيق: المايكروبيولوجيا الصناعية والبايوتيكنولوجيا الغذائية)

بسم الله الرحمان الرحيم .

قبل الحديث عن الأسس العلمية للصيام، ننبه الفقهاء أن هذا الكتاب لا يتطرق إلى الجانب الفقهي أو الشرعي، رغم أن الشفاء بالصيام يعتبر من المقاصد الدينية. ولا نرى أي نقص في الجانب الشرعي للصيام، وقد وضع العلماء الحل لكل شبهة أو خطأ في الصيام من الناحية الشرعية. وبما أن السنن الكونية يجب أن توافق السنن الشرعية، فكان علينا أن نبين المزايا الكونية للصيام، وارتباطها بمعنى الصيام في الإسلام، والغاية من هذه الشعيرة الدينية القوية التي ربما لا نعطيها الأهمية التي تستحق، وربما نتهور في بعض المسائل، فتفوت فرصة الفوز بالشفاء الروحي والبدني أثناء رمضان.

من المعلوم أن النظام الغذائي يتأثر بالمناسبات والطوارئ التي تعترض البشر في حياتهم، ولذلك فجسم الإنسان ليس آلة تزود بالوقود، كما يزعم ويظن الميدان الطبي، والتسليم بأن جسم الإنسان يعمل بالطاقة كما تعمل الآلة جهل بحقيقة الخلق، وعجز علمي فادح، ولا نشك في العجز العلمي، أكثر ما نشك في المذهب المادي الذي عجز وتورط في الكوارث التي تسبب فيها سياسيا واجتماعيا وصحيا وبيئيا واقتصاديا. ولذلك شرع الله سبحانه وتعالى شهرا كاملا من الصوم، وسنوضح معنى الصيام من الناحية العلمية، ليتقوى الجسم من الناحية النفسية والعضوية أو البدنية، ولذلك كان على العلماء أن يفسروا للناس معنى الصيام من الناحية العضوية، كما فسروا لهم معنى الصيام من الناحية الدينية. فالمسلم يعلم أنه يحرم عليه الأكل والشرب أو التشهي، ويعلم أنه يحرم عليه الجماع، أو لمس النساء أو حتى النظر لمحاسن المرأة، ويعلم جيدا أن الخصال الدنيئة منبوذة أثناء الصيام، ولو أنه لا يطبقها كما يعلمها، لكنه يعلم كل ما يتعلق بالصيام من الناحية الدينية، غير أنه يجهل كل ما يتعلق بالصيام من الناحية العلمية أو الصحية.

ولم يتطرق العلماء إلى طريقة الصيام، وكيفية الأكل، وطبيعة الأكل وما إلى ذلك، واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المعلم الذي يفسر الوحي، ويعلمنا كيف نؤدي الفرائض. وربما يكون هذا الفراغ لأن الفقهاء لم يتداركوا هذا الأمر، وتركوه مفتوحا وهو ما أفسد الصيام من الناحية الصحية وجعل الناس لا يستفيدون من صيامهم، فلو أدخلوا عامل الأكل أثناء رمضان لرحموا الأمة من كثرة الأكل والضياع والفساد أثناء شهر رمضان، ومسألة التعامل مع الأكل أثناء شهر رمضان مهمة من الناحية الشرعية لأنها من مقاصد الصيام، وربما تنعكس سلبا على العبادة، وقد أصبحنا نرى عدم قدرة الناس على صلاة التراويح والقيام، وأصبح الأكل في رمضان أكثر من الشهور الأخرى، وهو عدم فهم الغاية من الصيام. فالصيام نعلم أنه يقترن بالجوع والعطش، ومن لا يحس بهما لا يستفيد من الصيام، رغم أن صيامه صحيح وجائز، والجوع والعطش في رمضان كالخشوع في الصلاة، فكلما كانت الفرائض تؤدى كما ينبغي، كلما ارتاح الناس واستفادوا من العبادة، لأن الفرائض لها مقاصد كونية كما لها مقاصد شرعية. ولذلك غفلنا عن تعريف الصيام للناس بالطريقة الصحيحة، وحثهم على اتباع سنة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم أثناء شهر رمضان.

فالنهج المادي الذي ساد في القرن العشرين، أدى إلى ترك الدين والعقيدة، وجر البشرية إلى الويلات التي حذر منها الرحمان الرحيم، بقوله تعالى: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (طه). ونلاحظ أن البشرية تعيش الآن معيشة ضنكا، والتعبير القرآني تعبير دقيق وبليغ وليس كالتعابير البشرية، فالمعيشة ليست هي الحياة، ولذلك لم يستعمل الله سبحانه وتعالى حياة ضنكا، وإنما معيشة ضنكا، وهي الصفة التي يكون عليها البشر، ويمر منها حقيقة، ويذوق مرارتها، وهذه الصفة بما أنها جاءت بتعبير اسم المفعول، فهي نافذة وليست تهديدية فقط، ولذلك يدخل فيها العامل الزمني، فقد تدوم عمرا كما قد تنتهي بعفو الله سبحانه وتعالى.

وتبين أخيرا أن الصيام هو الطريقة الوحيدة التي تساعد على ضبط النظام الغذائي، ومن لا ينصح بالصيام يب

قى تكوينه في الميدان الطبي ناقصا جدا، وعلمه محدودا، فالصيام يجب أن يكون أساسا في العلاج، وليس اختيارا أو تورعا، أو مغامرة، وليس هناك علاج يمكن أن يعطي نتيجة عالية في الشفاء إلا لما يقترن بالصيام. ولا يزال الميدان الطبي ينصح بتناول الأدوية قبل أو بعد الأكل، وهو نهج عفا عنه الدهر وأصبح متجاوزا، فالصواب ليس قبل أو بعد الأكل، وإنما بدون تناول لحوم وبدون تناول سموم كالمواد المصنعة، وبدون مشتقات الحليب، والاكتفاء بالقليل من الأكل النباتي، وإدخال المواد النباتية الطبية مع الأدوية، والصوم أثناء تناول الدواء، أو على الأقل الجوع. ويجب ألا يتحرج الأطباء من النصح بالصيام حتى لغير المسلمين، ولو أنه أمر صعب على الأطباء الغير المسلمين. والصيام الصحيح في حد ذاته له قواعد وشروط شرعية وعلمية، ولا نتكلم عن الشروط الشرعية، لأن الصيام لا يجوز بدونها، وهي النية والامتناع عن الأكل والشرب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وتتبعها شروط أخرى يتورع بها الصائم لله عز وجل، كالامتناع عن الكلام الفاحش والشجار والخصام والنميمة، وكل منكر من الفعل والقول، ولهذه الشروط انعكاسات علمية أو كونية على جسم الإنسان كما سنتطرق لذلك.

ونلخص كيفية الصيام الصحيح من الناحية العلمية بعد الاستغفار لله من كل ذنب، ونسأله أن يتجاوز عنا إن أخطأنا وأن يرحمنا إن أصبنا. والصيام يعرف لغويا بالجوع والعطش الشديدين، وكلما أحس الصائم بالجوع والعطش كلما كان الشفاء مضمونا، والعلماء لا يتطرقون لحالة الصائم الفايزيولوجية، وإنما إلى أفعاله والتزامه بعدم الأكل والشرب والجماع فقط. ولا نجد من ينصح بتقليل الأكل بل هناك من ينصح بالأكل جيدا في الليل. ولذلك بقي رمضان في زاوية الفقه ولم يخرج إلى زاوية العلم.

ضرورة الاكتفاء بوجبتين

يقتصر الأكل في رمضان على وجبتين أساسيتين متباعدتين، وهما الفطور والسحور. والأكل يكون في النهار ولا يكون في الليل بالنسبة للشهور الأخرى، ونلاحظ أن وقت المغرب يكون بين حلول الليل وزوال النهار كما أن وقت الصبح يكون بين انجلاء الليل وحلول النهار.

وجبة الفطور

هي أول وجبة بتناولها الصائم بعد صيامه، وهي الوجبة التي يمكن أن تساعد على العلاج، كما يمكنها أن تحول دون العلاج، وطبعا لا يمكن أن نحدد طبيعة الأكل في هذه الوجبة، نظرا لاختلاف الشعوب الإسلامية، واختلاف طبائع الناس وعاداتهم الغذائية، وكذلك توفر الأغذية لديهم إما لحالتهم الاجتماعية، أو لعدم وجودها أصلا بالشكل الذي يريدون.

ونعطي بعض القواعد لتسهيل الاستفادة من هذه الوجبة، ونحن نعلم أن كثيرا من الناس يطغى عليهم الجشع، ولن يتبعوا هذه النصائح كما نريد، لكننا نعلم كذلك أن هناك من سيتبع هذه النصائح بالدقة التي نريد، ويمكن تتبع نتائج هذه النصائح عند كل الذين سيطبقونها، نحن جد متأكدين من صحة الوحي، فالنظام الذي ننهجه هو نظام مأخوذ من السنة، ولذلك لا شك في نتائجه من الناحيتين النفسية والبدنية، وكذلك الاقتصادية، لأن كثيرا من الناس يكلفون أنفسهم ما لا يطيقون، ويعلم كل من صام رمضان لسنوات أن الأيام الأخيرة من رمضان لا يتناول الناس كثيرا من الطعام، لكنهم يصومون أحسن من أول رمضان، نظرا لتعود الجسم على هذا النظام، ونظر كذلك لاطمئنان نفوسهم.

كيفية الإفطار

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتصر في الإفطار على بضع ثمرات، وكان صلى الله عليه وسلم يفضل الرطب على الثمر في الإفطار، فإن لم يجد ثمرا حسا حسوات من ماء (جرعة أو جرعتين) يقوم بعدها إلى الصلاة حتى إذا أغطش الليل، وانتهى من الصلاة تناول طعاما خفيفا يسد جوعه، ويسد حاجة جسمه من المواد الإقتياتية دون الشعور بالامتلاء.

ولنتوقف قليلا عند هذا الإعجاز الرائع في علم التغذية الذي لا يمكن أن تصله العلوم، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن له مختبر، لكن كان يأتيه الوحي من السماء، ولذلك فالوحي يفوق العلوم البشرية ويسمو عليها بتكامله ودقته وحكمته، والحقائق المتعلقة بالوحي لا يجوز مناقشتها وعرضها على العلوم، بل العكس هو الذي يجب أن يكون بمعنى أن العلوم هي التي يجب أن تعرض على الوحي للتأكد من هويتها وتوافقها مع الشريعة، فالوحي حقيقة مطلقة لا تحتمل الخطأ أو الزيغ أو الشك.

كل من درس العلوم الأحيائية إلى حدود مستوى التعليم الثانوي، يعلم جيدا أن المعدة لا تبدأ في إفراز الكيموتريبسين إلا مع وصول الأكل إليها، فحالما تسقط أول لقمة في المعدة تبدأ في إفراز الأنزيمات الضرورية للهضم، ولكي تبدأ المعدة نشاطها بعدما كانت نائمة طيلة النهار، يجب أن تتهيأ للهضم لأنها ستستقبل كمية هائلة من الأكل مع الإفطار، ولذلك فالإفطار على الثمر يحفز عملية إفراز الكيموتريبسين. والثمر لا يحتوي على بروتينات ولا على دسم، يعني أنه يمر مباشرة عبر المعدة من حيث لا يرهقها، لأنه يحتوي على سكريات بسيطة وعلى ألياف خشبية وعلى أملاح معدنية وفايتمينات، وكل هذه المواد لا تحتاج لهضم في المعدة، بل تمر مباشرة إلى الامتصاص، وتستقر السكريات البسيطة بالدم لتسوي المستوى المنخفض بعد ساعات النهار من الجوع، فينشط الجسم وتنتهي حالة الكسل والارتخاء، والفايتمينات من نوع ب6 وب21 تجعل الأعصاب تهدأ بالإضافة للماكنيزيوم واليود الموجودين كذلك في الثمر، وتستقر الألياف الخشبية في الأمعاء لتسهيل مرور الكثلة الغذائية وبذلك لا يقع الإمساك رغم قلة الأكل في شهر رمضان، والألياف الخشبية تشد كذلك بعض المواد السامة الأخرى والكوليستيرول.

وتفضيل الرطب على الثمر فيه معجزة، لأن المكونات الطبية الموجودة في الثمر تكون بنسبة عالية في الرطب، وتبدأ في التحلل مباشرة بعد جني الثمر، ومنها الفايتمينات والمواد القابلة للتحلل تحت الضوء photochemicals ومنها الفلافونويدات، والهرمونات والأنزيمات كما أن نسبة الرطب من الماء تكون أعلى من نسبة الثمر. لم تكن العلوم تعرف هذه الحقائق لما نزل الوحي من السماء، ولم تكن مختبرات التحليل موجودة وحتى إن وجدت ما كان لها أن تنصح بالإفطار على الرطب أو الثمر أو الماء، صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصدق الوحي.

والإفطار على الثمر معجزة في حد ذاته، ولم يفطر الرسول صلى الله عليه وسلم على مواد أخرى كالحليب أو العسل، وهو ما يجعل السنة النبوية تسمو على العلوم، فالمواد التي لا تهضم ولا ترهق المعدة ولا تسبب أي ضرر، وتساعد على إفراز الكيموتريبسين هي الثمر أو الماء فقط. فالماء يحفز إفراز الكيموتريبسين دون إرهاق المعدة، التي لم تستعد بعد للهضم، ويمر بسرعة ويحتوي على الأملاح المعدنية، ويعيد تسوية المكونات الأخرى بالدم.

ونعلم عبر العلوم الأحيائية الحديثة عملية تزويد خلايا الجسم بالوقود، إذ يجب توفر سكر العنب في الدم وكلما استنفدت الخلايا سكر العنب، كلما هبطت نسبة هذا السكر بالدم عن حدها المعتاد، ويسبب هذا الهبوط ما يشعر به الجائع من ضعف وكسل ونقص في البصر، وعدم القدرة على التفكير أو الحركة، وينصح الأطباء بتناول كمية من السكريات، ولا سيما الطبيعية منها والحرة أو السكريات البسيطة.

وتعتبر سنة الإفطار على الثمر والماء من أوج ما وصلت إليه العلوم الحديثة، إذ يصبح من الضروري أن نمد أجسامنا بمقدار وافر من السكر وقت الإفطار، فالصائم المتراخي المرهق تعود إليه حيويته العادية إذا اقتصر على الإفطار ببضع ثمرات مع كاس من الماء أو الحليب، وبعد مضي وقت وجيز هو وقت الصلاة، ثم يقوم إلى تناول طعامه كالمعتاد بدون تأثير أو شعور بالحرج في المعدة، ولهذه القاعدة النبوية ثلاث مزايا:

- إن المعدة لا ترهق بما يقدم إليها من غذاء دسم وغني بالمركبات التي تحتاج إلى جهد كبير للهضم، بعدما كانت نائمة طيلة أكثر من 16 ساعة، إذ تكون استعدت بعد امتصاص الثمر لتتهيأ لاستقبال الأغذية الأخرى المتنوعة.

- إن تناول الثمر قبل الأكل بوقت وجيز يحد من جشع الصائم، فلا يقبل على المائدة ليلتهم ما عليها بعجلة دون مضغ أو تذوق، وهذا العامل النفسي يلعب دورا أساسيا في الاستفادة من الصيام، من حيث تكون الراحة أثناء الأكل فيسهل الهضم ولا ترهق المعدة.

- إن المعدة تستطيع هضم المواد السكرية في الثمر خلال ربع ساعة، فإذا بتركيز السكر في الدم يعود إلى طبيعته، ويصل الوقود السكري الذي يجوب أنحاء الجسم عبر الدم إلى الخلايا كلها ومنها خلايا الدماغ على الخصوص، ويبعث النشاط فيزول الإحساس بالدوران والتعب سريعا.

بعد صلاة المغرب وبعد تناول التمور والماء، يعود الجسم إلى طبيعته ويذهب الجشع، ويفطر الصائم بهدوء وبطمأنينة لكن طبيعة الأكل قد تجعل الصائم يهلك نفسه، ولذلك لا ننصح بتجهيز الموائد قبل الإفطار بل أثناء الإفطار، بمعنى أن الصائم لما يجد مائدة مملوءة بالأكل على كبرها لا يمكنه أن يضبط نفسه ولا يمكنه أن يتوقف عن الأكل حتى يحس بالانتفاخ والألم في بطنه آنذاك ربما يتوقف عن الأكل لأنه أحس بالألم وليس لأنه شبع. وتنظيم الإفطار هو العامل الأساسي الذي يجعل الناس يصومون بسهولة ويتغلبون على الشهية، فالأكل غريزة ويصعب معها التحكم خصوصا بعد الجوع ولما يكون الأكل شهيا وجاهزا ومتنوعا وبكثرة وأمام الشخص. ولذلك تكون أحسن طريقة لتفادي التهور والإكثار من الأكل، ألا تكون المائدة جاهزة قبل الإفطار، لأن التشهي والانتظار سيقود إلى المهلكة ولا محالة.

يبدأ الصائم بالشاي أو القهوة أو الحليب أو الحساء أو كل ما يفطر به الناس إلا الحلويات والسكريات الصناعية بما في ذلك سكر المطبخ، ويستحسن تناول سكريات طبيعة مثل العصائر والعسل والثمر والتين والزبيب والفواكه الطرية والجافة. ويمكن تناول الأكل النباتي كالخبز والحساء والرغيف وكل المواد النباتية جيدة في الإفطار مع الحليب وزيت الزيتون.

ولا ننصح بتناول اللحوم والبروتينات الحيوانية الدسمة، ونعلم أن كثيرا من الناس يفطرون على اللحم، فمن الناحية الغذائية ربما لا يكون ضرر كبير إلا بعض الاضطراب في الهضم كالغازات، لكن من الناحية الصحية والحميوية لا يؤدي الصيام دوره في العلاج أو في تسهيل العلاج، كما لا ننصح بالطبيخ الدسم الذي يحتوي على لحوم، ويرجى عدم شرب الماء أثناء الإفطار إلا بعض الجرعات لأن الأكل كله ماء ولا داعي لتناول الماء أثناء الإفطار، لكن بعد الإفطار بساعتين يمكن تناول الماء بكثرة والسوائل كالعصائر والشاي والنقائع، ولبن الخض وما إلى ذلك.

عدم تناول أي شيء في الليل بعد الفطور إلا هذه السوائل التي تكلمنا عنها وأن يقطع الناس الأكل بين الفطور والسحور لتجنب العسر في الهضم والتحمضات والتخمرات في الجهاز الهضمي. وقد لا يمكن أن يكون الصيام على الهوى فالصيام شعيرة دينية وليس موضة أو حمية أو وصفة طبية ولذلك فالذين يجعلون له نمطا خاصا بهم لا ينبغي لهم أن يناقشوننا في الصيام وفي عبادة الله وفي أداء هذه الشعيرة على أكمل وجه، وحتى نوضح أكثر هناك من يصوم لكنه لا يصلي المغرب ولا صلاة التراويح، ويجعل من رمضانه طقسا لتغيير نظام الأكل من النهار إلى الليل فقط. فرمضان له شروطه التعبدية والصحية، فهو سنة شرعية للتقرب إلى الله والتوجه إليه، وسنة كونية لأن الله جعله لكبح النفس، ولضبط العواطف، وللتحكم في الشهوات، فيرجع الجسم إلى طبيعته الأصلية، وكأنه يفرغ كل ما أثقله، فلا يكون لديه فراغ روحي، ولا يكون لديه أمراض ترتبت عن كثرة الإسراف في الأكل.

أما الأشخاص الذين يفطرون على وجبات دسمة وثقيلة، ثم يسهرون إلى نصف الليل أو ما يزيد عليه قليلا ليتناولوا وجبة العشاء والسحور في نفس الوقت، لأنهم لا يستيقظون قبل الفجر، ويفضلون تأخير وجبة العشاء إلى ما بين نصف الليل والصبح، ثم ينامون إلى الصباح، وهذه الطريقة لا تستوفي شروط الصيام العلمية، فمن الناحية الفقهية صيامهم جائز نظرا لاستيفاء الامتناع عن الأكل والشرب والجماع بين الوقتين الصبح والمغرب. وقد ظهر هذا النمط إبان الاستعمار في بلدان المغرب العربي، إلى درجة أن الآذان استبدل بالجرس أو ببعض الآلات التي تعلن الوقتين الإفطار والإمساك. وهذه الطريقة التي يعلن بها وقت الإفطار وقت الإمساك غير مفهومة وغريبة جدا، لأن علماء المغرب كانوا يعلمون أن الاستعمار الفرنسي كان يهدف أولا إلى طمس الهوية الإسلامية أولا، ومع ذلك لم يتنبهوا لهذه الأجراس التي لا تزال إلى يومنا في كل بلديات مدن المغرب. ولا يعقل أن يصوم المسلمون ثم لا يصلون، وهو النمط الذي أصبح سائدا بعد الاستعمار، وهو ما يبين كذلك عدم فهم الدين على حقيقته، ولا ندري كيف يفسر هؤلاء هذا النوع من الإسلام الغريب، فربما يصوم هؤلاء مخافة أن يفضحوا فقط وليس عبادة.

من الضروري الامتناع عن كل المواد الصناعية أثناء شهر رمضان، وعدم استهلاك كل المواد المحتوية على المضافات الغذائية بكل أنواعها ماعدا ملح الطعام. وعدم استهلاك اللحوم يوميا وتناول المواد الطبيعية، والمواد النباتية الطبية، والحبوب الطبية كالسمسم وحبوب الكتان والحلبة والخردل والحبة السوداء (ليس زيت الحبة السوداء)، واجتناب الخضر الخارجة عن موسمها، والخضر المنتجة بالدور الزجاجية، والخضر المرشوشة بالمبيدات، والمخزنة تحت غاز الكبريت. وربما يتساءل الناس أو قد يشكون في العلاج بالصيام، وقد يقول قائل أنه صام لمدة ثلاثين سنة ولو ير أي علاج، ولا نكذب هذا الطرح لكننا نكذب الطريقة التي يصوم بها هل هي صحيحة أم لا. فالصيام ربما يكون مهلكا مع تناول المواد السامة، وربما يزيد من حدة المرض إذا كان الناس يتناولون سموما في الأغذية ويكثرون منها أثناء رمضان، لأن الجسم يكون مرهقا بالصيام فإذا زاد عامل السموم كانت الفاجعة.

عدم شرب ماء الصنبور ـ أو تغليته على الأقل ـ لأن مادة الكلور قد يزداد خطرها على الكلية في غياب الماء، أو مع الاجتفاف الذي قد يحصل للصائم. وتناول الوجبات السريعة قد يبطل مفعول العلاج بالنسبة لأصحاب الأنيميا والحساسية والمعدة والمعي الغليظ. وأكبر خطر يمكن تفاديه هو الضجر والقلق أثناء الصيام خصوصا في آخر النهار لأن تركيز السكر ينخفض بالدم وفي حالة القلق تفرز مادة الأدرينالين التي تؤثر على الأنسولين، فيستنفد الجسم الكلوكوز المخزن في الكبد، ثم يقع بعد ذلك احتمال الإصابة بداء السكري، كما تقوض كل الهرمونات المرتبطة بالأنزيمات ولذلك لا يجب على الصائم أن يضجر أو يقلق أو يتعارك أثناء الصيام.

الأسباب التي أدت إلى الأمراض المزمنة

نُلخص الأسباب التي أوصلت البشرية إلى هذه الأمراض المزمنة، والتي تتعلق كلها بنمط العيش والنظام الغذائي، الذي انتقل فجأة واحدة من النظام النباتي إلى النظام الحيواني، ولا يزال كثير من الأطباء، ومن يدعي بالمعرفة في ميدان التغذية والطب الطبيعي والطب الإسلامي، يقتنعون أن الجسم لا يستغني عن اللحوم، وكأن اللحوم هي المصدر الوحيد للبروتينات، وهو انزلاق خطير وجهل يلبس حلة العلم، ومن هذه الأمراض السمنة والكوليستيرول وأمراض القلب والشرايين والغذة الدرقية والبروستاتا والسرطانات والحساسية والمعدة والأمعاء.

مرحلة البروتينات

لقد أدى التسابق في البحث العلمي في المرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلى انفلات وهلع في صفوف العلماء. وكان السبب الرئيسي هو عقدة التفوق بالنسبة للعالم الغربي، والتسابق نحو التقدم واكتساب الخبرة وامتلاك التكنولوجيا. وقد تزامنت هذه المرحلة مع التوصل إلى أن الجسم لا يخزن البروتينات أو النايتروجن وبإمكانه أن يخزن السكريات والدهون. واستنتج العلماء أن الجسم إذا لم يزود بالبروتينات فسوف يهلك، ويصاب بمرض الكواشيوركور الذي تتسبب فيه المجاعة المفرطة، وعدم تناول البروتينات. وبدأت الحملات الإعلامية والاستراتيجية والاقتصادية لإنتاج البروتينات، أو الحصول عليها بأي ثمن. وأصبح مؤشر البروتينات هو الذي يحدد تقدم البلدان وضيعت الشعوب كثيرا من المنتوجات الزراعية، بغية تعويضها باللحوم أو البروتينات الحيوانية. ولجأ العلماء إلى إدخال سياسة البروتينات إلى البرامج الاقتصادية، من حيث أشاروا بعدم استهلاك الشعير والذرة، بزعم إعطائها للماشية لتتحول إلى لحوم. وهذا الطرح هو الذي أدى إلى الكارثة، لأن الاستغناء عن الحبوب، وعن كثير من النشويات، جعل الأمراض المزمنة المستعصية تتكاثر وتتفاقم بشكل مخيف. وقد لاحظ العلماء العلاقة بين استهلاك اللحوم وارتفاع الضغط والكوليستيرول والسمنة والحساسية والسرطانات والقصور الكلوي وأمراض الجهاز الهضمي، مثل مرض كروهن وتمزقات المستقيم الدامية. وبعض الأمراض الجلدية التي حيرت علماء الميدان الطبي مثل الصدفيات والبرص الذي أصبح يتزايد بشكل غريب، وستزداد اللائحة طولا، ولن تفيد المُعدات المتقدمة في حصر هذه الأمراض، كما لن تفيد الجراحة في كثير من الحالات التي ستظهر والتي لن يحد من ألمها استعمال الكورتكويدات، التي يتغاضى الأطباء عن خطرها، والتي سيزداد استعمالها حتى توشك أن توزع على الناس مع الماء والكهرباء.

مرحلة النخالة

تنبه العلماء إلى هذا الوضع، بعدما لاحظوا أن هناك مصدرا لكل هذه الأمراض، فبدأ البحث العلمي يعود بالإنسان إلى الصواب، لكن ربما يكون من المستحيل الآن، فالتغيير الذي طرأ على كل المنتجات لا يمكن أن يصحح، وكان أشهر النتائج التي نشرت، هو الرجوع إلى الألياف الخشبية الموجودة في الحبوب والخضر، وتقليل المواد الحيوانية والدسم مثل الأجبان والزبدة، وقد أصبح الأمر ملحا جدا، إلى أن صدرت توصيات بتناول النخالة أو الطحين دون غربلته، وترك الدقيق الأبيض الذي كانت أوروبا تفتخر به.

ورغم هذا الوضع المزري، فقد بقي الناس على استهلاك اللحوم، وبقي الأطباء في بلداننا يتخوفون من البروتينات ويحثون الناس على استهلاك اللحوم، وقد ترسخ لديهم أن الجسم لا يمكن أن يستغني عن البروتينات، وإلا فالهلاك. وبما أن علم التغذية كان يتعذر على كلية الطب، فإن الجهل أدى إلى ما لا تحمد عقباه. وأخذت تظهر بعض النصائح الخاطئة، مثل النصح بعدم تناول الشاي بعد الأكل، وعدم الطهي بزيت الزيتون، وإرغام الصناع على إضافة زيت المائدة إلى زيت الزيتون، واستهلاك الإسبانخ لأنه غني بالحديد، وتناول اليوغورت بعد تناول الدواء، والجزر لأصحاب الإسهالات، وتناول عصير الطماطم، وعدم تناول لحوم الغنم واستبدالها بالماعز، وعدم تناول الدجاج البري لأنه عفن، وكل هذه النصائح جاهلة، ولا أساس لها في علم التغذية، وأكثر من ذلك فعكسها هو الصحيح.

والعلاج كان يقتصر على الوصف الطبي للأدوية، فالأمراض من ذي قبل كانت جرثومية مثل التايفويد والسل والتهاب اللوزتين والتقرحات الجلدية والتقيحات والزهري والسيلان والديسانتيريا والالتهابات الخ... فكل هذه الأمراض ينفع معها المضاد الحيوي. لكن الأمراض الحديثة هي أمراض غذائية، لا ينفع معها الدواء ولا يزيدها إلى تعقيدا. فارتفاع الضغط والسمنة والكوليستيرول والسرطان وأمراض القلب والشرايين ومرض سيلياك والسكري وآلام المفاصل والأنيميا الخ.. فهذه الأمراض لا يفيد فيها الدواء الكيماوي، لأنها ليست أمراض تعفنية. وقد يكون العلاج أبسط مما يتصوره الطب الحديث، إذا علمنا سبب أو مصدر الخلل، وما يرتبط به من تدمرات داخلية لأن ارتفاع الضغط قد يصيب بعضا من الأعضاء، مثل الكلية والقلب والدماغ، والاعتقاد بأن هذه الأمراض يمكن علاجها بالعقاقير الكيماوية هو أمر فيه نظر، أما أن تعالج الأمراض المزمنة الناتجة عن الأغذية، ومن ضمنها كثرة استهلاك اللحوم بدون حمية دقيقة وبسيطة ومدققة فليس من الممكن. والغرابة في الأمر أن الناس اعتادوا تناول الأدوية وهذه الأمراض ليست لها أدوية.

والرجوع إلى النظام الغذائي السليم أصبح الحل الوحيد لتفادي هذه الويلات الصحية، وهذا النظام يعتمد على الأغذية الاعتيادية التي يتناولها الشخص يوميا بدون أي ضرر وهي الحبوب والفواكه بالدرجة الأولى وزيت الزيتون مع الخضر بالدرجة الثانية، ثم الألبان وتبقى اللحوم فقط للمناسبات والضيافة والاحتفالات والولائم، ولا بأس أن يتناولها الشخص مرة في الأسبوع. وهناك نظام غذائي خاص بالأطفال ويشمل الألبان والحبوب في الأعمار الأولى من سنتين إلى اثنى عشر. قد يستغرب بعض الباحثين من هذا النظام لأنه أول نظام يعفي اللحوم. وربما لا يلقى القبول بزعم أن ليس فيه بروتينات، وهو خطأ كذلك لأن البروتينات لا تقتصر على اللحوم والحليب بل هناك بروتينات نباتية تفوق البروتينات الحيوانية وهي بروتينات الحبوب والفواكه الجافة.

وبما أن الأمور باتت من الاختصاص الدقيق الذي لا يقدر عليه الذين لم يدرسوا علم التغذية، فعلى الأقل أن يعلم الناس هذه الأمور لأن هناك تعنت وعدم الاعتراف بأن كليات الطب لا تدرس علم التغذية، ولا تقدر على تدريسه. ونؤكد على ضرورة تجنب النصائح الخاطئة لأنها لا تساعد على العلاج. ونؤكد على ضرورة مراجعة الوجبات التي تعطى للمرضى في المستشفيات والعيادات الحرة، التي تجني الأموال ولا تطعم المرضى. ونلاحظ أن المرضى يائسون من طعام المستشفى، وقد بدأ الناس يسألون عن الأكل بعد العمليات الجراحية، لكنهم يسألون الأطباء وهو ليس من اختصاصهم، ولذلك نلاحظ أن العلاج بدون حمية مستحيل، وتحديد الحمية يجب أن يكون بدقة وليكون العلاج سهلا وسريعا.


المصدر: الموقع الرسمي "الحقيقي" للأستاذ الدكتور محمد فائد على الانترنت: (اطلع عليه بتاريخ 21 شتنبر 2010)