مفهوم الصحة النفسية في القران الكريم والحديث الشريف

بقلم: الأستاذ الدكتور محمد عثمان نجاتي.
(أستاذ علم النفس بجامعة القاهرة وجامعة الكويت وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقا)

إن علماء النفس المحدثين، في محاولتهم لفهم شخصية الإنسان والعوامل المحددة لها، قد عُنوا بدراسة أثر كل من العوامل البيولوجية والاجتماعية والثقافية في الشخصية، وفي دراستهم لتأثير العوامل البيولوجية على الشخصية، قد اهتموا بدراسة أثر كل من الوراثة والتكوين البدني، وطبيعة تكوين الجهاز العصبي، والجهاز الغدي وما يفرزه من هرمونات متعددة، وفي دراستهم لتأثير العوامل الاجتماعية والثقافية على الشخصية، فقد اهتموا بدراسة تأثير خبرات الطفولة وخاصة في الأسرة وطريقة معاملة الوالدين، كما اهتموا بدراسة تأثير الطبقات الاجتماعية، والثقافات الفرعية المدرسة، والمؤسسات الاجتماعية المختلفة، وجماعات الرفاق والأصدقاء. غير أن علماء النفس المحدثين قد أغفلوا في دراستهم للشخصية تأثير الجانب الروحي من الإنسان في شخصيته وسلوكه، مما أدى إلى قصور واضح في فهمهم للإنسان وفي معرفتهم للعوامل المحددة للشخصية السوية وغير السوية ، كما أدى إلى عدم اهتدائهم إلى مفهوم واضح دقيق للصحة النفسية. وأدى ذلك بالتالي إلى عدم اهتدائهم إلى الطريقة المثلى في العلاج النفسي لاضطرابات الشخصية. وقد لاحظ إريك فروم المحلل النفسي قصور علم النفس الحديث وعجزه عن فهم الإنسان فهما صحيحا بسبب إغفاله دراسة الجانب الروحي في الإنسان. ويبدو ذلك واضحا من قوله: "... إن التقليد الذي يعد السيكولوجيا دراسة لروح الإنسان دراسة تهتم بفضائله وسعادته ـ هذا التقليد نُبذ تماماً، وأصبح علم النفس الأكاديمي في محاولته لمحاكاة العلوم الطبيعية والأساليب المعملية في الوزن والحساب ـ أصبح هذا العلم يعالج كل شيء ما عدا الروح، إذ حاول هذا العلم أن يفهم مظاهر الإنسان التي يمكن فحصها في المعمل، وزعم أن الشعور وأحكام القيمة، ومعرفة الخير والشر، ما هي إلا تصورات ميتا فيزيقية تقع خارج مشكلات علم النفس. وكان اهتمامه ينصب في أغلب الأحيان على مشكلات تافهة تتمشى مع منهج علمي مزعوم، وذلك بدلا من أن يضع مناهج جديدة لدراسة مشكلات الإنسان الهامة. وهكذا أصبح علم النفس علما يفتقر إلى موضوعه الرئيسي وهو الروح، وكان معنياً بالميكانيزمات، وتكوين ردود الأفعال والغرائز، دون أن يعنى بالظواهر الإنسانية المميزة أشد التمييز للإنسان: كالحب والعقل والشعور والقيم".
وهذا القصور في فهم علماء النفس المحدثين للإنسان قد دفع أبراهام ماسلو أيضا إلى اقتراح تصنيف جديد لدوافع الإنسان! يشمل الدوافع الروحية التي يغفلها عادة علماء النفس المحدثون قي دراستهم لدوافع الإنسان .
إننا لا نستطيع أن نفهم الإنسان فهما واضحاً دقيقاً ، كما لا نستطيع أن نكون مفهوماً دقيقاً وسليماً عن صحته النفسية دون أن نفهم جميع العوامل المحددة لشخصية الإنسان، سواء أكانت عوامل بيولوجية أم روحية أم اجتماعية أم ثقافية .

تكوين الإنسان:

يتكون الإنسان كما أخبرنا القرآن الكريم من جسم وروح، وروح الإنسان قبسة من روح الله سبحانه وتعالى، تميز بها عن سائر الحيوان، وهي التي خصته بالاستعداد لمعرفة الله والإيمان به وعبادته، وتحصيل العلوم وتسخيرها في عمارة الأرض، والتمسك بالقيم والمثل العليا، وبلوغ أعلى مراتب الكمال الإنساني، وهي التي تؤهله لخلافة الله سبحانه وتعالى في الأرض.ولكل من الجسم والروح حاجات، ويشارك الإنسان الحيوان في حاجاته البدنية التي يتطلبها حفظ الذات وبقاء النوع، وما تثيره فيه من دوافع فسيولوجية مختلفة كالجوع والظمأ والدافع الجنسي إلى غير ذلك من الدوافع الفسيولرجية الأخرى، غير إن للإنسان أيضا حاجاته الروحية التي تتمثل في تشوقه الروحي إلى معرفة الله سبحانه وتعالى والإيمان به وعبادته. وهذه الحاجة فطرية في الإنسان، فالإنسان يشعر في أعماق نفسه بدافع يدفعه إلى البحث والتفكير في خالقه وخالق الكون، وإلى عبادته والالتجاء إليه، وطلب العون منه. [...] قال تعالى:
"فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون" [سورة الروم:30] ففي هذه الآية الكريمة إشارة واضحة إلى أن في فطرة الإنسان استعداداً لمعرفة الله سبحانه وتعالى وتوحيده وعبادته .
وقال الله تعالى أيضاً: "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين "[سورة الأعراف:172] وتبين هذه الآية أن الله جل شأنه أخرج من صلب آدم وبنيه ذريتهم نسلاً بعد نسل على هيئة ذر، وذلك قبل خلق الدنيا، وأشهدهم على أنفسهم بربوبيته تعالى حتى لا يقولوا يوم القيامة إنهم كانوا عن هذا التوحيد غافلين.وجاء في الحديث الشريف أيضاً ما يؤكد أن دافع التدين فطري في الإنسان. فقد جاء في صحيح مسلم عن عباس ابن عمار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم ". وجاء في حديث رواه الإمام أحمد وأخرجه النسائي في سننه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة ، فما تزال عليه حتى يبين عنها لسانها فأبواها يهودانها وينصرانها ".

الصراع بين الجانبين المادي والروحي في الإنسان:

يتضمن الإنسان إذن في شخصيته صفات الحيوان التي تتمثل في حاجاته البدنية التي يتوقف على إشباعها حفظ ذاته وبقاء نوعه، كما يتضمن في شخصيته أيضاً صفات الملائكة التي تتمثل في تشوقه الروحي إلى معرفة الله تعالى والإيمان به وعبادته. وقد يحدث بين هذين الجانبين من شخصية الإنسان صراع، فتجذبه أحياناً حاجاته البدنية ومطالب الحياة الدنيوية الأخرى، وتجذبه أحياناً حاجاته وأشواقه الروحية ومطالب الاستعداد للحياة الأخرى الباقية. ويشير القرآن الكريم إلى هذا الصراع النفسي بين الجانبين المادي والروحي في الإنسان، وذلك في قوله تعالى: " فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى"[سورة النازعات: 37 ـ 39].
ويشير القرآن، الكريم أيضا إلى الصراع بين الجانبين المادي والروحي في الإنسان في وصفه لانفضاض بعض المسلمين من حول الرسول عليه الصلاة والسلام حينما سمعوا بأنباء وصول قافلة محملة بالمؤونة إلى المدينة.
" وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين "[سورة الجمعة:11].
ويشير القرآن الكريم أيضا إلى الصراع بين الجانبين المادي والروحي في الإنسان في وصفه تعالى لخروج قارون على قومه في زينته، مما جعل بعض الناس يتمنون أن يكون لهم مثل ما لقارون من ثروة، فيرد عليهم البعض الآخر من ذوي العلم والتقوى بأن ما عند الله خير وأبقى.
" فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم. وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون"[سورة القصص:79ـ80].
وتشير آيات أخرى كثيرة إلى هذا الصراع في الإنسان بين الجانبين المادي والروحي. ومن أمثلة ذلك: " يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون"[سورة المنافقون:9 ]. " إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم"[سورة التغابن:15].
إن الصراع النفسي بين الجانبين المادي والروحي في الإنسان هو الصراع النفسي الأساسي الذي يعانيه الإنسان في هذه الحياة وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله:
" لقد خلقنا الإنسان في كبد"[سورة البلد:4].

إن إغفال المطالب الروحية للإنسان، يجعل حياة الإنسان خالية من المعاني السامية التي تجعل للحياة قيمة، وتفقده شعوره برسالته الكبرى في الحياة كخليفة لله تعالى في الأرض، فتضيع منه الرؤية الواضحة لأهدافه الكبرى في الحياة وهي عبادة الله، والتقرب إليه، ومجاهدة النفس في سبيل بلوغ الكمال الإنساني. ويتملك الإنسان في هذه الحالة الشعور بالضياع ويصبح فريسة للقلق. وقد صور القرآن الكريم حالة الصراع والقلق التي تنتاب الإنسان الذي يفقد إيمانه بالله سبحانه و تعالى بالحالة التي يشعر بها الإنسان الذي يخر من السماء فتتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق. " ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق"[سورة الحج:31 ]. ويصور النبي عليه الصلاة والسلام الصراع بين الجانبين المادي والروحي في الإنسان تصويراً واقعياً بقوله عليه الصلاة والسلام: " مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أضاءت مَا حَوْلَهَا جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا قَالَ فَذَلِكُمْ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ آنا اخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ هَلُمَّ عَنِ النَّارِ هَلُمَّ عَنِ النَّارِ فَتَغْلِبُونِي تَقَحَّمُونَ فِيهَا"، ‏رواه مسلم.
ففي هذا الحديث الشريف تصوير بارع للصراع بين الشهوات الحسية ومغريات الحياة الدنيوية، وبين الوازع الديني الذي يمنع الناس من الانغماس في ملذاتهم وشهواتهم. ولعل مشيئة الله تعالى قد اقتضت أن يكون أسلوب الإنسان في حل هذا الصراع بين الجانبين المادي والروحي في شخصيته هو الاختبار الحقيقي الأساسي الذي وضعه الله ـ جل شأنه ـ للإنسان في هذه الحياة. يقول تعالى:" الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً"[سورة الملك:2].
وقال الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا المعنى: "إن الدنيا خضرة حلوة وان الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء " رواه مسلم. وقال عليه الصلاة والسلام أيضا: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني". رواه الترمذي وأحمد والحاكم. فمن استطاع أن يوفق بين الجانبين المادي والروحي في شخصيته، وأن يحقق بينهما أكبر قدر مستطاع من التوازن، فقد نجح في هذا الاختبار، واستحق أن يثاب على ذلك بالسعادة في الدنيا والآخرة. " من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون"[سورة النحل:97]. وأما من انساق وراء شهواته البدنية وأغفل مطالبه الروحية، فقد فشل في هذا الاختبار، واستحق أن يجازى على ذلك بالشقاء في الدنيا والآخرة:
" ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى"[سورة طه:124].
" والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر"[سورة العصر:1ـ3 ].
وقد كان من رحمة الله سبحانه وتعالى بالإنسان، ومن نعمه العظيمة عليه، أن أمده بجميع الإمكانات اللازمة لحل هذا الصراع، واجتياز هذا الاختبار الصعب، بأن وهبه العقل ليميز بين الخير والشر، وبين الحق والباطل. كما أمده سبحانه بحرية الإرادة والاختيار ليستطيع أن يبت في أمر هذا الصراع، وأن يختار الطريق الذي يريده لحل هذا الصراع. وإن حرية إرادة الإنسان في اختيار الطريق الذي يحل به هذا الصراع إنما يمثلان مسئوليته وحسابه، كما أنهما يضعان الأساس سعادته وشقائه.
" وهديناه النجدين"[سورة البلد:10].
"إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا"[سورة الإنسان:3].
" وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر... "[سورة الكهف:29].
" ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها"[سورة الشمس:7ـ 10].

حالات النفس الثلاث:

وحينما يتغلب الجانب المادي في حياة الإنسان، فينساق وراء أهوائه وشهواته، ويهمل مطالبه الروحية، فإنه يصبح في معيشته أشبه بالحيوان، بل أضل سبيلا لأنه لم يستخدم عقله الذي ميزه الله سبحانه وتعالى به على الحيوان. "أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إنْ هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا"[سورة الفرقان: 43ـ44].
والإنسان الذي يعيش هذا النوع من المعيشة يكون غير ناضج الشخصية، ويكون أشبه بالطفل الذي لا يهمه إلا إشباع حاجاته ورغباته، ولم تقو إرادته بعد، ولم يتعلم كيف يتحكم في أهوائه وشهواته، ويصبح خاضعاً لتوجيه نفسه الأمارة بالسوء!
" وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم"[سورة يوسف:53].
وحينما يبلغ الإنسان مرتبة أعلى من النضوج والكمال، يبدأ ضميره في الاستيقاظ، فيستنكر ضعف إرادته وانقياده لأهوائه وشهواته وملذات الحياة الدنيوية مما يوقعه في الخطيئة والمعصية، فيشعر بالذنب، ويلوم نفسه ويتجه إلى الله سبحانه وتعالى مستغفراً ، فإنه يصبح في هذه الحالة تحت تأثير "النفس اللوامة ".
" لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة"[سورة القيامة:1ـ2].
وإذا أخلص الإنسان بعد ذلك في توبته، وأخلص في تقربه لله تعالى بالعبادات والأعمال الصالحة، والابتعاد عن كل ما يغضب الله، وتحكم تحكما كاملا في أهوائه وشهواته وقام بتوجيهها إلى الإشباع بالطريقة التي حددها الشرع فحقق بذلك التوازن التام بين مطالبه البدنية ومطالبه الروحية، فإنه يصل إلى أعلى مرتبة من النضوج والكمال الإنسانية، وهي المرتبة التي تكون فيها النفس الإنسانية في حالة اطمئنان وسكينة، وينطبق عليها وصف " النفس المطمئنة".
" يأيتها النفس، المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي"[سورة الفجر: 27ـ30].
ويمكن أن نتصور هذه المفاهيم الثلاثة للنفس، وهي النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة، والنفس المطمئنة على أنها حالات تتصف بها شخصية الإنسان في مستويات مختلفة من النضج التي تمر بها أثناء صراعها الداخلي بين الجانبين المادي والروحي [...]. فحينما تكون شخصية الإنسان في أدني مستوياتها الإنسانية بحيث تسيطر عليها الأهواء والشهوات والملذات البدنية والدنيوية، فإنها تكون في حالة ينطبق عليها وصف النفس الأمارة بالسوء. وحينما تبلغ الشخصية أعلى مستويات النضج والكمال الإنساني حيث يحدث التوازن التام بين المطالب البدنية والروحية فإنها تصبح في الحالة التي ينطبق عليها وصف النفس المطمئنة. وبين هذين المستويين مستوى آخر متوسط بينهما يحاسب فيه الإنسان نفسه على ما يرتكب من أخطاء، ويسعى جاهداً للامتناع عن ارتكاب ما يغضب الله [...]، ولكنه لا ينجح دائمـاً في مسعاه، فقد يضعف أحياناً ويقع في الخطيئة. ويطلق على الشخصية في هذا المستوى النفس اللوامة.

الشخصية السوية:

إن الحل الأمثل للصراع بين الجانبين المادي والروحي في الإنسان هو التوفيق بينهما، بحيث يقوم الإنسان بإشباع حاجاته البدنية في الحدود التي أباحها الشرع، ويقوم في الوقت نفسه بإشباع حاجاته الروحية. ومثل هذا التوفيق بين حاجات البدن وحاجات الروح يصبح أمراً ممكناً إذا التزم الإنسان في حياته بالتوسط والاعتدال، وتجنب الإسراف والتطرف سواء في إشباع دوافعه البدنية أو الروحية. فليس في الإسلام رهبانية تقاوم إشباع الدوافع البدنية وتعمل على كبتها. كما ليس في الإسلام إباحة مطلقة تعمل على الإشباع التام للدوافع البدنية دون ضبط وتحكم، وإنما ينادي الإسلام بالتوفيق بين دوافع كل من البدن والروح، واتباع طريق وسط يحقق التوازن بين الجانبين المادي والروحي في الإنسان. وفي هذا المعنى يقول القرآن الكريم: " وابتغ في آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا"[سورة القصص:77]. ويقول الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا المعنى أيضا: "إن الرهبانية لم تكتب علينا" رواه أحمد. وعن أنس رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم ، قد غفر له ما تقدم من ذنب وما تأخر، فقال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبداً. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " أنتم الذين قلتم كذا وكذا. أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني رواه الشيخان والنسائي. وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار قلت إني أفعل ذلك قال فإنك إذا فعلت ذلك هجمت عينك ونفهت نفسك وإن لنفسك حقا ولأهلك حقا فصم وأفطر وقم ونم". رواه الشيخان.
وحينما يتحقق التوازن بين البدن والروح تتحقق ذاتية الإنسان في صورتها الكاملة السوية، والتي تمثلت في شخصية النبي صلوات الله عليه وسلامه التي توازنت فيها القوة الروحية الشفافة، والحيوية الجسمية الفياضة، فكان يعبد ربه حق عبادته في صفاء وخشوع تامين، كما كان يعيش حياته البشرية مشبعا لدوافعه البدنية في الحدود التي رسمها الشرع. ولذلك فهو يمثل الإنسان الكامل، والشخصية السوية النموذجية الكاملة التي توازنت فيها جميع القوى الإنسانية البدنية منها والروحية. وفي الحديث الشريف: "حبب إلى من دنياكم الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة"، رواه النسائي وأحمد والحاكم.
إن الشخصية السوية في الإسلام إذن، هي الشخصية التي يتوازن فيها البدن والروح، وتشبع فيها حاجات كل منهما. إن الشخصية السوية هي التي تُعنى بالبدن وصحته وقوته، وتشبع حاجاته في الحدود التي رسمها الشرع، والتي تتمسك في نفس الوقت بالإيمان بالله، وتؤدي العبادات، وتقوم بكل ما يرضي الله تعالى، وتتجنب كل ما يغضبه. فالشخص الذي ينساق وراء أهوائه وشهواته شخص غير سوي. وكذلك فإن الشخص الذي يكبت حاجاته البدنية، ويقهر جسمه ويضعفه بالرهبانية المفرطة والتقشف الشديد، وينزع إلى إشباع حاجاته وأشواقه الروحية فقط، هو أيضا شخص غير سوي وذلك لأن كلا من هذين الاتجاهين المتطرفين يخالف الطبيعة الإنسانية، ويعارض فطرتها. وحينما يتحقق التوازن بين الجانبين المادي والروحي في الإنسان تتحقق ذاتية الإنسان في صورتها الكاملة السوية، والتي ينعم فيها الإنسان بكل من الصحة البدنية والنفسية، ويشعر فيها الإنسان بالأمن النفسي والطمأنينة والسعادة. وتوازن شخصية الإنسان بين البدن والروح ليس إلا مثالا للتوازن الموجود في الكون بأكمله. فقد خلق الله سبحانه وتعالى كل شيء بمقدار وميزان." والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون"[سورة الِحجر:19]. "وكل شيء عنده بمقدار"[سورة الرعد:8]. " إنا كل شيء خلقناه بقدر" [سورة القمر:48]. " وخلق كل شيء فقدره تقديرا"[سورة الفرقان:2].

منهج الإسلام في تحقيق الصحة النفسية:

يتبع الإسلام في تربيته للإنسان منهجا تربويا هادفاً يحقق التوازن بين الجانبين الروحي والمادي في شخصية الإنسان، مما يؤدي إلى تكوين الشخصية السوية التي تتمتع بالصحة النفسية. ولما كان معظم الناس يميلون إلى الانشغال بتحصيل السعادة العاجلة في هذه الحياة الدنيا، ويغفلون العمل لتحصيل السعادة الآجلة في الحياة الآخرة، كان الإنسان في حاجة إلى منهج تربوي خاص يتضمن أسلوبين من التربية: الأسلوب الأول هو تقوية الجانب الروحي في الإنسان عن طريق الإيمان بالله وتقواه، وأداء العبادات المختلفة. والأسلوب الثاني هو السيطرة على الجانب البدني في الإنسان كما يتمثل ذلك في توجيهات الإسلام الخاصة بالسيطرة على الدوافع والانفعالات والتحكم في أهواء النفس.

أولاـ أسلوب تقوية الجانب الروحي في الإنسان:

1- الإيمان بالله :

يدعو الإسلام إلى الإيمان بالله وتوحيده وعبادته. ويؤدي الإيمان بالله إلى تحرر الإنسان من الخوف من الأشياء التي يخاف منها معظم الناس. فالمؤمن الصادق الإيمان لا يخاف من الفقر أو المرض أو مصائب الدهر أو الموت أو الناس. فهو يعلم أن رزقه بيد الله تعالى وانه لن يصيبه إلا ما هو مقدر له.
"وفي السماء رزقكم وما توعدون ". "كل نفس ذائقة الموت...".[سورة آل عمران:185]. "ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن في ذلك على الله يسير"[سورة الحديد:22].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا غلام إني أعَلمُك كلمات: احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك. إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رُفعت الأقلام وجفت الصحف " رواه الترمذي.

2- التقوى:

وتصاحب الإيمان الصادق بالله تقوى الله. والتقوى هي أن يقي الإنسان نفسه من غضب الله وعذابه بالابتعاد عن ارتكاب المعاصي والالتزام بمنهج الله تعالى، فيفعل ما أمره الله تعالى به، ويبتعد عما نهاه عنه.
ويتضمن مفهوم التقوى أن يتوخى الإنسان دائما في أفعاله الحق والعدل والأمانة والصدق، وأن يعامل الناس بالحسنى، ويتجنب العدوان والظلم. ويتضمن مفهوم التقوى كذلك، أن يؤدي الإنسان كل ما يوكل إليه من أعمال على أحسن وجه، لأنه دائم التوجه إلى الله تعالى في كل ما يقوم به من أعمال ابتغاء مرضاته وثوابه. وهذا يدفع الإنسان دائما إلى تحسين ذاته، وتنمية قدراته ومعلوماته ليؤدي عمله دائما على أحسن وجه. إن التقوى بهذا المعنى تصبح طاقة موجهة للإنسان نحو السلوك الأفضل والأحسن ونحو نمو الذات ورقيها، وتجنب السلوك السيئ والمنحرف والشاذ . فالتقوى إذن من العوامل الرئيسية في نضوج الشخصية وتكاملها واتزانها، وفي بلوغ الكمال الإنساني، وتحقيق السعادة والصحة النفسية.

3- العبادات:

إن القيام بالعبادات المختلفة من صلاة وصيام وزكاة وحج إنما يعمل على تربية شخصية الإنسان وتزكية نفسه، وتحليه بكثير من الخصال المفيدة التي تعينه على تحمل أعباء الحياة، والتي تساعد على تكوين الشخصية السوية التي تتمتع بالصحة النفسية. فالقيام بهذه العبادات المختلفة تعلم الإنسان الصبر وتحمل المشاق، ومجاهدة النفس والتحكم في أهوائها، وقوة الإرادة وصلابة العزيمة، وحب الناس والإحسان إليهم، وتنمي فيه روح التعاون والتكافل الاجتماعي.

ثانيا- أسلوب السيطرة على الجانب البدني في الإنسان:

1ـ السيطرة على الدوافع:

يدعو الإسلام إلى السيطرة على الدوافع والتحكم فيها. ولا يدعو الإسلام إلى كبت الدوافع الفطرية، كما أشرنا إلى ذلك من قبل، وإنما يدعو إلى تنظيم إشباعها والتحكم فيها، وتوجيهها توجيهاً سليما تراعى فيه مصلحة الفرد والجماعة. ويدعو القرآن الكريم والسنة الشريفة إلى نوعين من التنظيم في إشباع الدوافع الفطرية.
التنظيم الأول هو إشباعها عن الطريق الحلال المسموح به شرعاً ومن أمثلة هذا التنظيم إباحة إشباع الدافع الجنسي عن طريق الزواج فقط، وتحريم الزنا. "و ليستعف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله"[سورة النور:33]. وفي الحديث الشريف: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " رواه الشيخان.
والتنظيم الثاني هو عدم الإسراف في إشباعها لما في ذلك من إضرار بالصحة البدنية والنفسية. قال تعالى: " يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين"[سورة الأعراف:31 ]. وفي الحديث الشريف: " كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير سرف ولا مخيلة! ". رواه البخاري. ولا يُعنى القرآن الكريم بتوجيه الإنسان إلى السيطرة على دوافعه الفسيولوجية فقط، وإنما يُعنى القرآن الكريم كذلك بتوجيهه إلى السيطرة على دوافعه النفسية أيضا. ففي كثير من المواضع يحث القرآن الكريم على السيطرة على دافع العدوان ودافع التملك، وأهواء النفس وشهواتها المختلفة سواء كانت بدنية أو نفسية. وقام الرسول عليه الصلاة والسلام أيضا بتوجيه الناس إلى التحكم في دوافعهم وشهواتهم. قال عليه الصلاة والسلام: " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به. رواه البخاري، وقال عليه الصلاة والسلام أيضا: " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ". رواه مسلم.

2- السيطرة على الانفعالات:

ويدعو القرآن الكريم الناس إلى السيطرة على انفعالاتهم والتحكم فيها. وقد سبق القرآن الكريم في ذلك العلوم الطبية والنفسية الحديثة التي بينت أن اضطراب الحياة الانفعالية للإنسان من الأسباب الهامة في نشوء كثير من أعراض الأمراض البدنية. ومن أمثلة ما جاء في القرآن الكريم من دعوة إلى السيطرة على الانفعالات نذكر الآيات التالية التي تدعو إلى السيطرة على انفعال الغضب.
" وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين"[سورة آل عمران: 133ـ134].
" فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون"[سورة الشورى:36ـ37]." ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور"[ سورة الشورى:43]. "فاصفح الصفح الجميل"[سورة الِحجر:35].
وقد دعا الرسول صلى الله عليه وسلم الناس أيضا إلى التغلب على انفعال الغضب. قال عليه الصلاة والسلام: "ليس الشديد بالصُّرَعَة، إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب " رواه الشيخان. وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: "ألا إن الغضب جمرة توقد في جوف ابن آدم، ألا ترون إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه. فإذا وجد أحدكم شيئا من ذلك فالأرض الأرض... ألا إن خير الرجال من كان بطيء الغضب سريع الرضى، وشر الرجال من كان سريع الغضب بطيء الرضا " رواه الترمذي والبخاري وأحمد. وجاء رجل إلى رسول الله فقال: "يا رسول الله : أوصني. قال: لا تغضب فكرر السؤال ثلاث مرات وكرر الرسول الجواب نفسه " رواه البخاري. ويدعو القرآن الكريم والسنة الشريفة إلى السيطرة على جميع الانفعالات الأخرى والتحكم فيها. ففي القرآن الكريم آيات كثيرة تدعو إلى السيطرة على انفعالات الحزن والفرح والحب والكراهية وتنهى عن الزهو والكبرياء والتعالي على الناس. كما نجد أيضا في الحديث الشريف دعوة إلى السيطرة على كثير من هذه الانفعالات.
توازن الشخصية والصحة النفسية:
بهذين الأسلوبين ، أسلوب تقوية الجانب الروحي في الإنسان عن طريق الإيمان بالله وتوحيده وعبادته، وأسلوب السيطرة على الجانب البدني في الإنسان عن طريق التحكم في الدوافع والأهواء والشهوات والانفعالات، يستطيع الإنسان أن يحقق التوازن بين الجانبين الروحي والبدني في شخصيته، مما يؤدي إلى شعوره بالأمن والطمأنينة، ويحقق له الصحة النفسية والسعادة في الدنيا والآخرة.