حدود المنهج التجريبي

بالرغم من الإمكانيات المهمة التي يسمح بها المنهج التجريبي في حقول بحث معينة، فإنه ينبغي الاعتراف بأن هذا المنهج يبقى بمفرده عاجزا عن إماطة اللثام عن جميع ألغاز أمراض ضيق الصدور. و يعني هذا ببساطة أن إغفال أو إخفاء جزء من الحقيقة، قد يحول دون حل معادلة الشفاء.

و الموضوع الصعب أو الغامض، كما قال الدكتور ألكسيس كاريل ، ينبغي ألا يُهمَلَ لمجرد أنه صعب، إذ أن الحقيقة ليست بالضرورة واضحة بسيطة قابلة للقياس بوسائل المنهج التجريبي. و يتعين أن نقنع بملاحظة ما لا نستطيع قياسه. إننا مضطرون إلى مراعاة مختلف جوانب الإنسان الطبيعية الكيميائية و التشريحية و الفيزيولوجية و ما وراء النفسية و الفكرية و الأخلاقية و الفنية و الدينية و الاقتصادية و الاجتماعية، إلخ. و كل عالِم يعتقد أنه يعرف الكائن البشري، في حين أنه لا يفهم إلا جزءاً صغيرا منه. و ما زال العلماء اليوم يعتبرون التخاطر عن بُعد و غيره من ظواهر ماوراء النفس نوعا من الأوهام و من ثم فإنه يتعين، حسب كاريل، أن نعود إلى الملاحظة البسيطة لأنفسنا من جميع جوانبنا دون أن نهمل شيئا ثم نصف ببساطة ما نراه. إن تقنياتنا لا تفهم ما ليس له حجم أو وزن، فهي لا تصل إلا إلى الأشياء الموضوعة في المكان و الزمان. إنها عاجزة عن قياس الغُرور والحِقد و الحُب و الجَمال و سُمُو الروح نحو ربها و رؤيا العالِم.

و بهذه الطريقة غير المباشرة يعرف العِلم العالَََم الروحي الذي لا يستطيع الولوج إليه. و يتعين على الإنسانية اليوم أن تركز انتباهها على نفسها و على أسباب عجزها الـُخلقي و الفكري. ليست علوم الميكانيكا و الفيزياء و الكيمياء هي التي ستمنحنا الأخلاق والذكاء و الصحة و التوازن العصبي و الأمن و السلام. لقد انصرف انتباه الباحثين على الخصوص نحو الجانب العضوي و الفكري للإنسان. و لكنهم لم يقفوا عند شكله العاطفي و الأخلاقي و حياته الداخلية و مزاجه و حاجياته الجمالية و الدينية و عند العلاقات العميقة للفرد و لوسطه العقلي و الروحي (*).