مكافحة التبغ في القانون الدولي العام بين النظريات والممارسات النموذجية الدولية.

بقلم:  ـ أبوبكر دحو الإدريسي (دكتور في الصيدلة)،
       ـ عبد الكريم دحو الإدريسي (دكتور في القانون الدولي العام).

النسخةPDF

يقصد بمكافحة التبغ، حسب منظمة الصحة العالمية، مجموعة من الإجراءات الموجهة لحماية الأشخاص من الآثار الضارة لاستهلاك التبغ والإدمان السلبي لغير المدخنين (بسبب الاقتراب من دخان السجائر). وتستهدف هذه الإجراءات أساسا، حسب نفس المصدر، حماية الأطفال والشبان من التبغ وخاصة من خلال الوقاية، ومساعدة المستهلكين على الإقلاع عن التدخين، والمساعدة على حماية غير المدخنين من التعرض لدخان التبغ المحيط. ويعتمد علاج الإدمان على التبغ على سلسلة متكاملة من التقنيات التي تستهدف تفادي معاودات الإدمان. ويتوقف نجاح مختلف التدخلات على " مدى استعمالها بتآزر داخل السياق الأوسع للاستراتيجية الشاملة لمكافحة التبغ". ولتسليط الضوء على بعض الأبعاد الرئيسية للوباء العالمي للإدمان على التبغ، فقد يكون من المناسب فيما يلي الإشارة بإيجاز شديد إلى النقط التالية:


أولا ـ السياق التاريخي

تضاعف الإنتاج العالمي للتبغ مرتين، حسب مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) وذلك خلال مدة 45 سنة. وهكذا فقد انتقل من 5،3مليون طن سنة 1961 إلى حوالي4،6 مليون طن سنة 2005. وقد عرف الإنتاج ذروته خلال سنوات 1992 و1993 و1997 بإنتاج فاق 8 ملايين طن. وقد تم هذا الارتفاع في الفترة المذكورة (1961 ـ 2005) حسب نفس المصدر بإيقاع سنوي يبلغ حوالي8,1 % .

ويفيد هذا الجهاز الأممي أن الإنتاج العالمي لأوراق التبغ قد ارتفع بنسبة منتظمة تبلغ 8،2% في كل عقد، بالغا بذلك 6،4 طن سنة 1970، و3,5 مليون طن سنة 1980 و1,7 مليون طن سنة 1990. وبلغ هذا الإنتاج ذروته سنة 1997 بوزن بلغ 9 مليون طن.

ثانيا ـ بعض أرقام ومعطيات الإدمان على التبغ

يعتبر الإدمان على التبغ (أي التسمم بالتبغ) السبب الرئيسي للوفيات في العالم الذي يمكن تفاديه حسب منظمة الصحة العالمية. فهو مصدر رئيسي لسرطانات الرئة والأمراض القلبية ولأمراض أخرى تقتل سنويا 4،5 مليون شخص. وقد مات خلال القرن العشرين، حسب نفس المصدر، 100 مليون شخص في العالم بسبب الأمراض المرتبطة بالإدمان على التبغ.

وإذا لم يُتخذ أي إجراء جدي، فإن عدد الوفيات قد يصل إلى4,8 مليون شخص سنة 2020. و تذكر المنظمة أن حوالي شخص واحد من أصل ثلاثة بالغين يدخنون التبغ، مما يعني أن 1,2 مليار شخص يدخنون. و اعتمادا على المؤشرات السابقة، فهي تتوقع أن يصل عدد المدخنين البالغين سنة2025 إلى 1,6 مليار. و تدل هذه الأرقام على أن عدد الأمراض المؤدية إلى الوفيات المرتبطة بالإدمان على التبغ في العالم، آخذ في الارتفاع.

ويعتبر الإدمان على التبغ أحد عوامل الخطر بالنسبة لستة من الأسباب الثمانية الأوائل للوفيات في العالم. فعلى سبيل المثال " يضاعف خطر السرطان الرئوي بالنسبة للمدخنين المنتظمين مقارنة بغير المدخنين [...] بمعامل يتراوح بين 20 و30" . ويعتبر التبغ سببا بالنسبة لثمانين في المائة (80 %) من سرطانات الرئة في البلدان المتقدمة. وتتمثل عوامل الخطر الرئيسية فيما يخص سرطانات تجويف الفم والبلعوم والمريء بالنسبة لهذه البلدان في التبغ والكحوليات. ويعزى حوالي 75% من هذه السرطانات إلى هذين العاملين.

"ويعتبر دخان السجائر الملوث الأكثر اتهاما في أمراض الجهاز التنفسي.كما أن إحراق سيجارة واحدة يعتبر مصدرا مهما لتهيجات المخاط الأنفي و الالتهاب الشعبي، التي يمكن أن تدفع بنوبات الربو قُدُما.يضاف إلى ذلك أن بعض المدخنين يصابون بعد بضع سنوات بالتهاب شعبي مزمن (سعال وتنخع متواتر...) مع تضاعف اكتساب الأخماج التي تزيد من حدة الربو [الضيقة] ". وقد يرتفع خطر السرطان الرئوي بسبب الدخان المستنشق في إطار الإدمان السلبي على التبغ بنسبة 20 % .

الوفيات بالسرطان المـعزوة إلى الإدمان على التبغ في العالم سنة 2005

www.e-cancer.fr, d’après: Atlas du cancer, American Cancer Society (ACS) 2006 المصدر:

وتذكر منظمة الصحة العالمية أن نصف الذين يدخنون بانتظام يموتون بسبب هذه العادة، علما أن ربع المدخنين يستعجلون الوفاة (بين 35 و69 سنة).

وتعتبر الكلفة الاقتصادية للإدمان على التبغ مدمرة أيضا ولا تنحصر فقط في نفقات الصحة العمومية، حسبما يفيد نفس المصدر:"فالضحايا يلقون حتفهم خلال الفترة الأكثر إنتاجية من حياتهم، ويحرمون بذلك عائلاتهم من سندهم والأمم من يد عاملة في صحة جيدة... والمدخنون هم أقل إنتاجا بسبب زيادة النسبة المرضية ".

ويفيد تقرير صدر سنة 1994، أن استهلاك التبغ يؤدي إلى خسارة سنوية صافية تبلغ 200 مليار دولار أمريكي، وأن الدول النامية تتحمل ثلث هذه الخسارة.

ثالثا ـ الوقاية والتوعية المبكرة

يشاطر المربون المجتمع الدولي، قلقه الخاص بالآثار الوبيلة للإدمان على التبغ والتأثير السلبي المتزايد للأمراض المرتبطة باستعمال التبغ الذي يسفر بالموازاة مع الأضرار الشخصية، عن عدة خسائر اجتماعية واقتصادية، وذلك بدون تمييز بين البلدان.

وتنص المادة 12 من اتفاقية منظمة الصحة العالمية الإطارية بشأن مكافحة التبغ على أن كل طرف يشجع " ويعزز توعية الجمهور بقضايا مكافحة التبغ، باستخدام كل وسائل الاتصال المتاحة، حسب الاقتضاء. ولبلوغ هذه الغاية، يعمل كل طرف على اعتماد وتنفيذ تدابير تشريعية وتنفيذية وإدارية وغيرها من التدابير الفعالة من أجل تعزيز:

(أ) توسيع نطاق الاستفادة من برامج فعالة وشاملة للتثقيف ولتوعية الجمهور بشأن المخاطر الصحية بما في ذلك الخصائص الإدمانية لاستهلاك التبغ والتعرض لدخانه؛

(ب) توعية عامة الناس بشأن [...] فوائد الإقلاع عن تعاطي التبغ وأنماط الحياة المتحررة من التبغ [...]؛

[...]؛

(د) وضع برامج فعالة وملائمة للتدريب أو التثقيف والتوعية بشأن مكافحة التبغ تكون موجهة لأشخاص مثل العاملين الصحيين والعاملين في المجتمعات المحلية والمرشدين الاجتماعيين والعاملين في المجال الإعلامي والمربين وصناع القرار والإداريين وسائر الأشخاص المعنيين؛

[...]؛

(و) توعية عامة الناس وحصولهم على المعلومات المتعلقة بالعواقب الصحية والاقتصادية والبيئية الضارة المترتبة على إنتاج التبغ واستهلاكه".

وقد استأثر موضوع الوقاية باهتمام لويس باستور، حيث قال في هذا الشأن مثلا: "عندما أفكر في مرض معين، لا أفكر أبدا في العثور على علاج له، ولكن أبحث أولا عن وسيلة للوقاية منه...".

وقد دلت التجارب على أن الأمهات المدخنات كثيرا ما يلدن أطفالا قبل الأوان أو بوزن هزيل. " كذلك فإن لأطفال الوالدين المدخنين وظائف رئوية مُفسدة[أو غير سليمة] وهم أكثر عرضة لعدوى الجهاز الشُعَبي الرئوي".

ويمكن أن يسفر التعرض للنيكوتين قبل الولادة، حسب البروفيسور أ. تايتار A.Taytard، "عن اختلال نمو الخلايا العصبية ، كما قد يعتبر مؤشرا على ارتفاع درجة خطر مشاكل الأمراض العقلية، مشتملا في ذلك على استهلاك المخدرات".

وإذا كان من الأجدى عدم الشروع أبدا في تدخين التبغ ، فإن المعطيات تدل بجلاء على الفوائد الكبرى للتوقف عن التدخين، حيث تدل الوقائع، حسب منظمة الصحة العالمية، على انخفاض كبير خلال العقود القادمة في عدد الوفيات الناجمة عن السرطان بالنسبة لأولئك الذين سيضعون حدا لهذه العادة في الوقت الحاضر.

ويتعين، على السلطات والأطباء والمربين الصحيين على جميع المستويات، حسب البروفيسور بيرنار ستيوارت Bernard W. Stewart (الذي شارك في تحرير التقرير العالمي حول السرطان لسنة 2003 ) ، "أن يبذلوا قصارى الجهود لمساعدة الناس على تغيير سلوكهم بشكل يسمح بتفادي السرطانات". وللتذكير فالبروفيسور ستيوارت هو مدير مصالح السرطان وأستاذ بكلية الطب بجامعة Nouvelle-Galles الجنوبية بأستراليا.

رابعا ـ الحماية من التعرض لدخان التبغ

تنص المادة 8 (الفقرة 2) من اتفاقية منظمة الصحة العالمية الإطارية بشأن مكافحة التبغ على أن كل طرف يتخذ " وينفذ ويعزز بصورة فعالة في المناطق الخاضعة لولايته القضائية الوطنية حسبما تحددها القوانين الوطنية وعلى سائر مستويات الولاية القضائية، اعتماد وتنفيذ تدابير تشريعية وتنفيذية إدارية و/ أو غيرها من التدابير التي توفر الحماية من التعرض لدخان التبغ في أماكن العمل الداخلية ووسائل النقل العام والأماكن العمومية الداخلية، وحسب الاقتضاء، الأماكن العمومية الأخرى".

وقد أظهر تحقيق أنجزته منظمة الصحة العالمية سنة 1997 حول سياسات مكافحة التبغ في 134 دولة أن الأغلبية الكبرى للبلدان كانت تقيد استهلاك التبغ في الأماكن العمومية.ورغم أن هذه القيود لا تستهدف في المقام الأول إلا تقليص تعرض غير المدخنين لدخان السجائر، فهي قد تؤثر على المدخنين باعتبار أنها تقلص فرص التدخين.

وتم تقييم أثر هذه القيود على طلب السجائر من خلال بعض الدراسات. فقد ذكر باحثون مثلا أن استهلاك السجائر انخفض بسبب هذه القيود في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1995 بنسبة 4،5 %.

وقد ذهبت الجمعية الوطنية (البرلمان) في مملكة بوتان Bhoutan بعيدا، باعتمادها قانونا يحظر تجارة التبغ في مجموع البلاد، ابتداء من 17 دجنبر 2004، وذلك حسبما أوردته وكالة الأنباء الفرنسية. وهكذا، فقد أصبحت بوتان أول دولة في العالم تحظر بيع هذه المادة. وأفاد نفس المصدر أنه مازال بوسع المدخنين شراء السجائر من الخارج، ولكن يتعين عليهم أداء رسم عن ثمن البيع، تبلغ قيمته نسبة 100% ، فضلا عن الواجبات الجمركية المفروضة على منتجات التبغ والتي تبلغ نسبتها أيضا 100%... ويتعين على التجار الذين يُضبط التبغ بحوزتهم أداء غرامة تبلغ 10.000 نو (أي حوالي 223 دولار).

خامسا ـ الأنشطة البديلة ذات الجدوى الاقتصادية

تنص المادة 17 من اتفاقية منظمة الصحة العالمية الإطارية بشأن مكافحة التبغ على تعاون الأطراف "فيما بينها ومع المنظمات الحكومية الدولية المختصة الدولية منها والإقليمية،حسب الاقتضاء، بتعزيز البدائل ذات الجدوى الاقتصادية للعاملين في صناعة التبغ وزارعيه و آحاد الباعة حسب الحالة".

ويستفاد من دراسة أعدتها منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة أن بعض البلدان قد بذلت جهودا لتشجيع المزارعين على التحول إلى زراعات بديلة. . ففي كندا مثلا شجع أحد البرامج (Tabacco Diversification Plan) المزارعين في الثمانينات من القرن الماضي، حسب نفس المصدر، على التوقف عن إنتاج التبغ والاستعاضة عنه بزراعات أخرى. وقد توقف عدد مهم من المزارعين عن إنتاج التبغ بفضل هذا البرنامج، علما أن كثيرا من المشاركين قد اعترفوا بإمكانية التوقف عن إنتاج التبغ وإن في غياب هذا البرنامج.

وذكرت منظمة الأغذية والزراعة أن عدة دراسات قيمت الزراعات التي يمكن أن تعوض التبغ في البلدان السائرة في طريق النمو. ونجد من بين هذه الزراعات المنيهوت (manioc) [يستخرج من جذوره دقيق نشوي]في البرازيل، وقصب السكر في كينيا، والفلفل والصوجا والقطن والخردل في الهند. وقد أظهرت دراسة حول الزراعات الممكنة في البنغلاديش أن بعض الخضر والقطانيات قد تكون أكثر مردودية من التبغ. وقد اختيرت أزهار الورد كزراعات بديلة في زيمبابوي. وقد تم في هذا الشأن تحديد أكثر من خمسين زراعة بديلة وطريقة لاستعمال الأراضي.

سادسا ـ الإدمان على التبغ والإقلاع عنه

تتجلى الآثار المزعجة للإدمان على التبغ بجلاء لدى التوقف المفاجئ عن تدخينه (أو لدى تقليص نسبة النيكوتين بنسبة كبيرة)، من خلال سلسلة من الأعراض التي تختلف حدتها من شخص لآخر وذلك حسب مستوى التسمم. ويتعلق الأمر مثلا بالاضطرابات التنفسية و المزاج المكتئب والغضب و توتر الأعصاب و القلق و الحزن ونفاد الصبر والتقلص الكبير في نسبة التركيز والأرق.

ولهذا، فإن المراجعة العاشرة للتصنيف الإحصائي الدولي للأمراض والمشكلات المتعلقة بالصحة الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، تصنف متلازمة الاعتماد على التبغ ومتلازمة الامتناع عن تعاطي التبغ على أنهما اضطرابان من اضطرابات الإدمان التي تجسد حالة الأشخاص الذين يتعاطون منتجات التبغ ويصعب عليهم الإقلاع عن هذه العادة، حسبما ورد في" التقرير الخاص بالاعتماد على التبغ والإقلاع عنه"(2008). الذي تم إعداده تطبيقا للقرار FCTC / COP2 (14) الصادر عن مؤتمر أطراف اتفاقية منظمة الصحة العالمية الإطارية لمكافحة التبغ.

ويذكر هذا التقرير أن للإقلاع عن التدخين مزايا آنية. كما أن من شأن التوقف عن تدخين التبغ في سن مبكرة قبل أن تظهر الأمراض الخطيرة، أن يحد من خطر الوفيات المرتبطة بالتبغ.

وقد دعت المادة 14 من الاتفاقية الإطارية السالفة الذكر الأطراف، إلى العمل على "إدماج تشخيص وعلاج الاعتماد على التبغ وخدمات إسداء المشورة بشأن الإقلاع عن تعاطي التبغ في البرامج الوطنية الصحية والتعليمية والخطط والاستراتيجيات الوطنية"، وإلى إعداد ونشر مبادئ توجيهية مناسبة وشاملة ومتكاملة، وذلك بهدف اتخاذ تدابير فعالة لتشجيع الإقلاع عن تعاطي التبغ والعلاج الملائم للإدمان عليه.

ومن شأن إعداد مبادئ توجيهية شاملة ومتكاملة ومرتكزة على المعطيات العلمية وأفضل الممارسات، التأثير بشكل إيجابي على تصميم الاستراتيجيات الوطنية لعلاج الإدمان على التبغ. ويعتبر توفر بنية تحتية وطنية أمرا ضروريا لتشجيع الإقلاع عن التدخين و تقديم العلاج الناجع. و حسبما ورد في تقرير "الاعتماد على التبغ والإقلاع عنه" السالف الذكر، فالأنسب للبلدان التي لديها بنية تحتية متطورة للرعاية الصحية أن تجعل خدمات المساعدة على الإقلاع عن تعاطي التبغ ضمن الرعاية الطبية الأولية (الأساسية). و يمكن إشراك معظم قطاعات نظام الرعاية الصحية في البلد في عملية إسداء المشورة بشأن الإقلاع عن تعاطي التبغ وعلاج الإدمان عليه، بما في ذلك مرافق الرعاية الثانوية والرعاية الصحية التخصصية (الخاصة مثلا بمكافحة السل والإيدز والعدوى بفيروسه) وعيادات أمراض الصدر والأمراض القلبية الوعائية والسكري، وخدمات التمنيع... "وينبغي أن يتم رسميا إشراك الرابطات المهنية وغيرها من التجمعات ذات الصلة حسب الاقتضاء في أولى مراحل تصميم البنية التحتية الداعمة".

وعلى مستوى التكوين، فإنه يتعين، حسب منظمة الصحة العالمية، "توفير التدريب للمهنيين الصحيين، مثل الأطباء والممرضين وأطباء الأسنان والصيادلة وممارسي الطب التقليدي(الشعبي) والمدرسين والعاملين في المجتمع المحلي والمرشدين الاجتماعيين كي يتمكنوا من إعطاء العلاج" الخاص بالإدمان على التبغ. "وينبغي دمج هذا التدريب في المقررات الدراسية لجميع المهنيين الصحيين قبل التخرج وبعد التخرج".

"ويمكن أن تنظر الأطراف في الاستعانة بممارسي الطب التقليدي (الشعبي)، حسب الاقتضاء، لتقديم نصائح موجزة لتحسين التواصل مع من يتعاطون التبغ في المناطق الريفية. فبوسع هؤلاء المهنيين أن يؤثروا تأثيرا كبيرا في المجتمعات المحلية" ويحثوا على الإقلاع عن تعاطي التبغ. وقد ارتأت جنوب إفريقيا اعتماد هذا الخيار.

وتدعو المادة 14 أطراف الاتفاقية إلى تصميم وتنفيذ برامج فعالة بهدف تشجيع الإقلاع عن تعاطي التبغ، مع إعطاء الأسبقية لمرافق الرعاية الصحية ومراكز التأهيل الصحي. وتعترف هذه المادة أيضا بأهمية مواقع أخرى في توفير البرامج المذكورة، وذلك مثل المؤسسات التعليمية وأماكن العمل وفضاءات ممارسة الرياضة.

ودعت نفس المادة كافة الأطراف إلى التعاون فيما بينها من أجل تيسير الحصول على علاج الإدمان على التبغ بتكلفة ميسورة، بما في ذلك المستحضرات الصيدلية، وهذا عملا بالمادة 22.

وفيما يخص معاودة الإدمان، فيجدر التوضيح بأنه لا يوجد علاج[مادي] للإقلاع عن التدخين يعطي ضمانا مدى الحياة. ويُعتبر الأشخاص الذين توقفوا عن التدخين منذ ستة أشهر إلى سنة كأنهم تحرروا من الإدمان على النيكوتين. وإذا كانت معاودة الإدمان تعتبر أمرا محتملا إذا توفرت ظروف معينة، فإنه يتعين على الأشخاص المعنيين بالأمر أن يتسلحوا دائما بالصبر والتفاؤل.

إن مصالح ومراكز المساعدة على الإقلاع عن التدخين تواجه يوميا مشكل معاودة الإدمان باعتبار أن "المعاودة" هي القاعدة وليس الاستثناء حسبما يؤكده Marlatt و Gordon . فالعدو الرئيسي للإقلاع عن التدخين يبقى إذن هو مشكل المعاودة. إن لأغلبية الأشخاص الذين يأتون لطلب المساعدة على الإقلاع عن التدخين، شعور بالإخفاق والعجز أمام هذا التحدي. ويمر المدخن في المعدل بأربع معاودات للإدمان قبل التوقف النهائي.

على مستوى الممارسات الدولية النموذجية، فإن من بين 173 دولة أبلغت 9 بلدان أنها توفر خدمات كاملة لعلاج الإدمان على التبغ(أي أنها توفر تشكيلة متكاملة من العلاجات ومساعدة مالية جزئية على الأقل لخدمات الإقلاع عن التدخين والعلاج)، حسبما ورد في تقرير منظمة الصحة العالمية حول الوباء العالمي للإدمان على التبغ لسنة 2008. وقد أحدثت بعض البلدان مثل المكسيك والمجر شبكات وطنية للخدمات المتخصصة في إسداء المشورة الخاصة بالإقلاع عن التبغ وعلاج الإدمان عليه.وبالنسبة للهند فقد أنشأت مرافق للإقلاع عن التدخين في مراكز معالجة السرطان وأمراض القلب والتكفل بحالات الإدمان على المخدرات أو في مراكز العلاجات الجماعية. وفي إيران فإن المساعدة على الإقلاع عن التدخين يقدمها كل من نظام العلاجات الصحية الأولية والخدمات المتخصصة.

ويُستفاد مثلا من التقرير الأوربي عن مكافحة التبغ في أوروبا الصادر سنة 2007 أن من بين 53 دولة عضوا في الإقليم الأوربي التابع لمنظمة الصحة العالمية، توفر 19 دولة التدريب على تقنيات الإقلاع عن التدخين بوصفه جزءا لا يتجزأ من المقرر الدراسي الطبي الأساسي، وأن ما يقرب من نصف بلدان ذلك الإقليم (25 دولة) أبلغ أنه ينظم على المستوى الوطني دورات عليا للتدريب على تقنيات الإقلاع عن التدخين.

وفيما يخص البلدان التي طبقت حتى الآن برامج للإقلاع عن التدخين في مكان العمل، يمكن أن نذكر ألمانيا وأستراليا والنمسا وبلجيكا وكندا وإسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية وأيرلندا واليابان وهولندا والمملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية.

و تطالب "المدونة الأوربية للمستشفيات الخالية من دخان التبغ" التي أعدتها "الشبكة الأوربية للمستشفيات الخالية من دخان التبغ"، المستشفيات بتقديم الدعم اللازم للمرضى والموظفين ليقلعوا عن التدخين، وبمواصلة تقديم هذا الدعم للمرضى بعد خروجهم منها. وهذه الشبكة تنسق برامج الإقلاع في أكثر من 1300 مستشفى في 20 دولة عضوا في الاتحاد الأوربي، وهذا حسبما ورد في التقرير الخاص بالاعتماد على التبغ والإقلاع عنه (2008).

وقد أعدت 85 % من المدن المشاركة في برنامج منظمة الصحة العالمية للمدن الأوربية الصحية برامج للإقلاع عن تعاطي التبغ، حسبما جاء في هذا التقرير.

ويستفاد من نفس المصدر، أن اللجنة الأوربية تنفذ حاليا في جميع دول الاتحاد الأوربي (27 دولة)، حملة واعدة تحت شعار:"ساعدونا على الحياة بدون تبغ". وبوسع متعاطي التبغ الراغب في الإقلاع عنه، أن يسجل نفسه في الموقع الإليكتروني لهذه الحملة من أجل تلقي 25 رسالة إليكترونية (على مدى شهرين) تتضمن نصائح مفيدة ومشجعة تنطبق تماما على حالته التي وصفها لدى عملية التسجيل.

وقد بدأ سنة 1985 في فنلندا تفعيل فكرة تحفيز المتعاطين للتبغ الذين يقلعون عن التدخين في إطار الحملات التواصلية الواسعة النطاق. بعد ذلك أصبح برنامج "أقلع عن التدخين واربح" مسابقة دولية تنظم كل سنتين. وقد شارك في هذه المسابقة عام 2006، 700.000 شخص في 84 بلدا. ومن شأن هذا النوع من المبادرات، أن يرفع معدل الإقلاع عن التدخين.

وقد ورد في تقرير منظمة الصحة العالمية عن وباء التبغ العالمي(2008)، أن تقريرا صدر في الولايات المتحدة الأمريكية يفيد بأن ثلاثة من كل أربعة أشخاص يستهلكون التبغ ويدركون أخطار ه، راغبون في التوقف عن التدخين. ومعظم محاولات الإقلاع تمت اعتمادا على قوة الإرادة وحدها وبدون أدنى مساعدة. ونجد في الاتحاد الأوربي مثلا أن 18% فقط من المدخنين هم الذين طلبوا المساعدة لإنجاح محاولتهم الأخيرة. وثمة أشخاص تتراوح نسبتهم بين 1 % و3 % من مدخني التبغ، ينجحون في الامتناع عن التدخين لمدة 12 شهرا معتمدين على قوة إرادتهم وحدها، علما أن معدلات النجاح في الامتناع عن التدخين تكون أعلى بكثير في حالة الاستفادة من مساعدة. وبعض الأشخاص لا يلتمس المساعدة للإقلاع عن التدخين لغياب الدعم اللازم في بلدان كثيرة أو لحصولهم على دعم غير كاف أو لأنهم يجهلون توفر هذه المساعدة.

وقد أبلغت بعض الدول في اتفاقية منظمة الصحة العالمية الإطارية بشأن مكافحة التبغ، أنها تسدد جميع تكاليف بعض المستحضرات الصيدلية أو جميع هذه المستحضرات اللازمة لعلاج الإدمان على التبغ. وقد تدرجت البرازيل مثلا منذ عام 2002 في تقديم خدمات مجانية للإقلاع عن التدخين (علاج بالمستحضرات الصيدلية وعلاج السلوكيات).

وأحيانا تُعرض الخدمات والأدوية المساعدة على الإقلاع عن التدخين بالمجان على المدخنين من الفئات الاجتماعية والاقتصادية الفقيرة، كما هو الشأن في المملكة المتحدة. وتقدم دول أخرى مثل نيوزيلاندا خدمات متخصصة للأقليات الإثنية.

وقد ورد في تقرير منظمة الصحة العالمية عن وباء التبغ العالمي (2008)، أن 44 بلدا يعيش فيها أقل من 40 % من سكان العالم هي التي تتوفر على الخدمات الهاتفية المساعدة على الإقلاع عن التدخين.

ومن الأمثلة على الدول التي تقدم خدمة الخطوط الهاتفية المجانية للمساعدة على الإقلاع عن تدخين التبغ، نجد البرازيل والمملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية وأورغواي. وتقدم هذه الخدمة في بلدان أخرى بتكلفة منخفضة أو بتكلفة المكالمة المحلية.

خاتمة

في إطار التبادل الدولي للخبرات، يذكر "التقرير الخاص بالاعتماد على التبغ والإقلاع عنه (2008)" أن معظم المعطيات أو المعلومات الخاصة بعلاج الإدمان على التبغ مستقى من البلدان المتقدمة. وبإمكان البلدان المنخفضة الدخل أن تستفيد من تحسين تدفق المعلومات والخبرات المكتسبة، غير أنها تفتقر إلى الآليات الضرورية لذلك. ويمكن تحسين تبادل المعلومات،حسب نفس التقرير، بتعزيز استمارة التبليغ الخاصة باتفاقية منظمة الصحة العالمية الإطارية بشأن مكافحة التبغ فيما يتعلق بتنفيذ المادة 14.

وإذا كان تشجيع الإقلاع عن التدخين يستتبع تكاليف فورية، فإنه يتعين ألا يغيب عن الأذهان أن تكاليف معالجة الأمراض المرتبطة بالإدمان على التبغ هي أكثر كلفة.

المصادر:

  1. Pr.C.h. LARAQUI : « les asthmes et les allergies respiratoires ». Collection les Guides de la Médecine. Imprimé par Dar Kortoba, Casablanca, 1988.
  2. Outils pour poursuivre la lutte antitabac au XXIe siècle: Recommandations de politique générale concernant le sevrage tabagique et le traitement de la dépendance à l’égard du tabac. Des instruments au service de la santé publique. Organisation mondiale de la Santé, 2003. P:xvii.
  3. Rapport d’une Consultation OMS/FAO d’experts. "REGIME ALIMENTAIRE, NUTRITION ET PREVENTION DES MALADIES CHRONIQUES". OMS, Série de Rapports techniques 916. Organisation mondiale de la Santé Genève.
  4. "Rapport sur la dépendance à l’égard du tabac et le sevrage tabagique (en relation avec l’article 14 de la Convention (décision FCTC/COP2(14))". Conférence des Parties à la Convention-cadre de l’OMS pour la lutte antitabac. Troisième session, Durban (Afrique du Sud), 17-22 novembre 2008. Point 4.7 de l’ordre du jour provisoire. FCTC/COP/3/10. 26 août 2008.
  5. http://www.who.int/features/qa/09/fr/index.html
  6. http://www.who.int/topics/tobacco/fr/
  7. http://www.who.int/mediacentre/news/releases/2003/pr27/fr/index.html
  8. http://www.who.int/tobacco/health_priority/fr/index.html
  9. Secrétariat de la CNUCED d'après les données statistiques de la F.A.O. http://www.unctad.org/infocomm/francais/tabac/marche.htm
  10. http://www.respir.com/doc/abonne/pathologie/tabac/TabagismePassifEnfant.asp
  11. http://www.lalibre.be/index.php?view=article&art_id=197950 , d’ après l’AFP.
  12. « Prise en charge du sevrage tabagique ». En collaboration avec le Centre Fédéral d’Expertise des Soins de Santé. Juin 2008.
  13. Philippe GUICHENEZ : « La rechute tabagique : comment l’analyser? ». http://perinat78.com/documents/3/376.pdf. P :1, d’après Marlatt GA, Gordon JR. Relapse prevention: maintenance strategies in the treatment of addictive behaviors. Guilford Press New york 1985.