ويسألونك عن العقوق وبر الوالدين .

بقلم: الأستاذ الدكتور محمد الخرشافي

كل إنسان عليه منتان؛ منة الخلق وهي من الله عز وجل، ومنة الولادة وهي من الوالدين، وهذا القانون الإلهي جار على البشرية جمعاء، ولم يسلم منه إلا آدم وحواء؛ فليس عليهما إلا منة واحدة؛ هي منة الخلق من الله عز وجل، وكذلك يستثنى من هذا القانون عيسى عليه الصلاة والسلام فعليه منة الخلق من الله، ومنة الولادة من والدته؛ ولم يكن له منة والد. وإذا كانت المنة لسائر بني آدم من الله، ثم من الوالدين وجب شكر الله وشكر الوالدين، وكتاب الله كثيرا ما يقرن الأمر بشكر الله وطاعته وشكر الوالدين وطاعتهما.
ولأن الأسئلة التي ترد في باب العقوق وبر الوالدين عديدة وأكثر من أن تحصى، فسيُكتفى في هذه الورقة بتركيز بعض الأضواء على أبرزها:

لكن قبل هذا وذاك، فماذا عن وجوب شكر الوالدين وطاعتهما؟

أولا ـ شكر الله وشكر الوالدين

قال تعالى : "وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) "[ لقمان:13-15].وقال تعالى : " و َإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)" [البقرة: 83].
وقال تعالى : "وَاعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا (36)" [النساء:36] . وقال تعالى : "قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ولا تَقْتُلُوا أَولادَكُمْ مِنْ إِملاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ولا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) " [الأنعام:151].
وقال تعالى : "وَقَضَى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) " [الإسراء:23].
ولما كانت منة الخلق والإيجاد أعظم من منة الولادة كان وجوب طاعة الوالدين في كل ما أمرا به من معروف، وكان النهي عن طاعتهما فيما فيه شرك بالله عز وجل؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

ثانيا ـ طاعة الوالدين من أسباب دخول الجنة

لقد جعل الشرع طاعة الوالدين من أسباب دخول الجنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "رغم أنف ثم، رغم أنف، ثم رغم أنف، قيل من؟ يا رسول الله. قال : من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة". (*)
وروى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فقال : "آمين آمين آمين " قيل : يا رسول الله إنك حين صعدت المنبر قلت : آمين آمين آمين قال : "إن جبريل أتاني فقال : من أدرك شهر رمضان ولم يغفر له فدخل النار فأبعده الله قل : آمين فقلت : آمين، ومن أدرك أبوية أو أحدهما؛ فلم يبرهما؛ فمات فدخل النار فأبعده الله قل : آمين فقلت : آمين، ومن ذُكِرت عنده فلم يصل عليك؛ فمات، فدخل النار فأبعده الله قل : آمين فقلت : آمين". (*)

ثالثا ـ هل الذي يعق والديه يكون بسلوكه هذا قد حكم على أبنائه بالعقوق؟ بعبارة أخرى هل هناك أسباب وراثية للعقوق؟

إن الناظر في كتاب الله يجد تطبيقات لقاعدة "الجزاء من جنس العمل" في عدة آيات؛ فمنها: "فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5) " [الصف:5]. وقال تعالى : "وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا (72)" [الإسراء:72]. هذان نموذجان من قاعدة الجزاء من جنس العمل في كتاب الله؛ وفي السنة أمثلة كثيرة لهذه القاعدة؛ منها: وروى الطبراني في الكبير عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "رضا الرب في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما. (*) روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة؛ فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما؛ ستره الله يوم القيامة). (*) وروى أبو داود والترمذي في سننهما: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ " مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا؛ نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ - وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ؛ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؛ وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ في عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ." (*) وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من قتل نفسه بحديدة؛ فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم، خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن شرب سما؛ فقتل نفسه؛ فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل؛ فقتل نفسه؛ فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا" (*) . معنى : "يتوجأ بها في بطنه" أي يطعن. ومعنى : "يتحساه" أي يشربه في تمهل ويتجرعه. ومعنى "يتردى" أي يرمي بنفسه من شاهق والمراد أنه ينزل إلى دركات جهنم. فالناظر في هذه الأحاديث يرى أن الجزاء في من جنس العمل؛ فرضا الوالدين جزاؤه رضا الرب، يجد مقابلة التنفيس في الدنيا بالتنفيس في الآخرة، والتيسير بالتيسير، والستر بالستر، والعون بالعون، وقتل النفس بالحديدة في الدنيا فيه الطعن بها يوم القيامة، وشرب السم في الدنيا بشربه يوم القيامة، وقتل النفس بالتردي من شاهق في الدنيا؛ فيه التردي بها يوم القيامة في دركات جهنم. وقد ذكر بعض المفسرين أن من عق والديه عقه أولاده؛ مستندين إلى قوله تعالى: " ومن يعمل سوءا يجز به " [النساء:123]. وفي الأثر المأثور : "أَحْبِبْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ . وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مُلاقِيهِ . وَكُنْ كَمَا شِئْتَ فَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ". ورحم الله الشافعي حيث قال:


            عفُّوا تعفّ نساؤكم في المحرم       وتَجنّبوا ما لا يليق بمسلم
            يا هاتكًا حُرم الرجال وتابعًا         طرق الفساد فأنت غيْر مُكرّم
            من يزنِ في قوم بألفَي درهم        في أهله يزنى بربع الدرهم       
            إن الزنا دَين إن استَقرضتَه         كان الوَفا من أهل بيتك فاعلم

 

ومع ما تقدم من هذه الأدلة والنصوص فإن من حصل منه نوع من عقوق الوالدين؛ فليتب إلى ربه ويستدرك ما استطاع استدراكه، فإن الله يقبل التوبة من التائب إذا كان صادقا.

رابعا ـ هل يجوز شرعا رفع دعوى النفقة على الوالد، أم أن هذا قد يعتبر نوعا من أنواع العقوق ؟

إن الله عز وجل أمر في غير ما آية بعبادته سبحانه وتعالى وقرن ذلك بالإحسان إلى الوالدين كما تقدم... والآيات كثيرة في هذا الصدد، كما أن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحث على برور الوالدين وعدم عقوقهما كثيرة؛ منها : قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس وقال: ألا وقول الزور، وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت). وفي صحيح مسلم (*) عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رغِم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه. قيل: من يا رسول الله؟ قال : من أدرك أبويه عند الكبر؛ أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة). وأخرج الطبراني في المعجم الأوسط (*) أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: إن أبي أخذ مالي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم اذهب فاتني به، فأتاه فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن الله يقرئك السلام ويقول : إذا جاءك الشيخ فسله عن شيء قاله في نفسه، ما سمعته أذناه، فلما جاء الشيخ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما بال ابنك يشكوك أتريد أن تأخذ ماله؟ فقال: سله يا رسول الله هل أُنفقه إلا على عماته أو خالاته أو على نفسي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : دعنا من هذا وأخبرنا عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك. فقال : والله يا رسول الله ما يزال الله يزيدنا بك يقينا؛ لقد قلت في نفسي شيئا ما سمعته أذناي. قال: قل وأنا أسمع، قال: قلت:

 

   غـذوتك مولوداً ومُنْتُكَ يافعا        تُعَلُّ بما أجني عليك وتنهـل
        إذا ليلة ضافتك بالسُّقْمِ لَمْ أَبِتْ      لِـسُقْمِكَ إلا ساهرا أتـململُ
        كأني أنا المطروق دونك بالذي     طُرِقْتَ به دوني فعيناي تهُملُ
        تخافُ الردى نفسي عليك وإنها     لتعلم أن الموت وقت مؤجل
        فـلما بلغت السنَّ والغاية التي       إليها مدى ما فيك كنت أؤمل
        جـعلت جزائي غلظةً وفظاظةً      كأنك أنت المنعم المتفــضلُ
        فـليتك إذ لم ترع حق أبـوتي        كما يفعل الجار المجاور تفعل
        تـراه معـدا للـخلاف كأنـه           بِرَدٍّ على أهل الصواب موكل
 

وحـينئذ قال لـه النبي صلى الله عليه وسلم: أنت ومالك لأبيك).
ومعنى قوله [يافعا: شابا]، [تنهل: تشرب مرة بعد مرة]. وهل بعد هذا يفكر المسلم في رفع دعوى على أبيه؟؟!!

خامسا ـ هل يجوز في الإسلام للأولاد إيداع الوالدين في دار العجزة رغم توفرهم على جميع الإمكانيات للإحسان إليهما؟

روى البخاري (*) ومسلم (*) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي ؟ قَالَ : أُمُّكَ . قَالَ: ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : ثُمَّ أُمُّكَ . قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : ثُمَّ أُمُّكَ .قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : ثُمَّ أَبُوكَ).
وقد جعل الإسلام من حق الأم على ولدها أن ينفق عليها إذا احتاجت إلى النفقة، ما دام قادرا مستطيعا، ولهذا لم يعرف عن أهل الإسلام طيلة قرون عديدة أن المرأة تُترك في دور العجزة، أو يخرجها ابنها من البيت، أو يمتنع أبناؤها من النفقة عليها، أو تحتاج مع وجودهم إلى العمل لتأكل وتشرب.
وكرم الإسلام المرأة زوجةً، فأوصى بها الأزواج خيرا ، وأمر بالإحسان في عشرتها ، وأخبر أن لها من الحق مثل ما للزوج إلا أنه يزيد عليها درجة، لمسئوليته في الإنفاق والقيام على شئون الأسرة ، وبين أن خير المسلمين أفضلُهم تعاملا مع زوجته، وحرم أخذ مالها بغير رضاها، ومن ذلك قوله تعالى:"وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ" النساء/19 ، وقوله : "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" البقرة/228 .
وقوله صلى الله عليه وسلم : ( اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا ) (*) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ( خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي ). (*)
ومما يدل على عناية الإسلام بالبنت كذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ وَضَمَّ أَصَابِعَهُ ). (*)
ومما صح عن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

ما رواه ابن ماجه (3669) في سننه عن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ رضي الله عنه قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَنْ كَانَ لَهُ ثَلاثُ بَنَاتٍ ، فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ ، وَأَطْعَمَهُنَّ وَسَقَاهُنَّ وَكَسَاهُنَّ مِنْ جِدَتِهِ كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ).
وقوله : (من جِدَته) أي من غناه .
وما قاله الإسلام في المرأة الأم قاله في الرجل الوالد.
وروى البخاري (5988) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ: قال اللَّهُ تعالى - عن الرحم- : (مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ) .
وهذه بعض النصوص الواردة في وجوب برور الوالدين :
أخرج النسائي والبزار واللفظ له بإسنادين جيدين والحاكم ، وقال صحيح الإسناد، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان عطاءَه وثلاثة لا يدخلون الجنة العاق لوالديه، والديوث، والرجلة من النساء". وأخرج أحمد واللفظ له والنسائي والبزار والحاكم وقال صحيح الإسناد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ثلاثة حرم الله تبارك وتعالى عليهم الجنة، مدمن الخمر، والعاق، والديوث الذي يقر الخبث في أهله". وقال صلى الله عليه وسلم : " كل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين، فإن الله يعجله لصاحبه في الحياة الدنيا قبل الممات" (*) . ومن أقبح العقوق وأشنعه أن يترفع الولد على والديه ويتكبر عليهما...
وفيما ذكرت من الأدلة الحاثة على بر الوالدين ، والمحذرة من عقوقهما كفاية، وذلك لمن أراد العبرة والاعتبار، والعظة والاتعاظ ، فترى البار بوالديه محبوب لدى الناس، محبب إلى القلوب، مقرب إلى النفوس، يتمنى الناس وده والقرب منه، ويتأهب الجميع لمساعدته إذا وقع في ضيق أو حرج . أما العاق لوالديه، فإن الله يبغضه ويسخط عليه فلذلك لا قبول له في الدنيا، لا محب له من الناس، الجميع ينفر منه ويهرب عنه، فهو شر وقد يلحق شره غيره.
والمجتمع الإسلامي طيلة حقبته الماضية لم يعرف دور العجزة؛ لأنه مجتمع متكافل، وللمسن فيه مكانة خاصة سواء كان أبا أو جدا أو أما أو جدة، أو خالة أو عما أو عمة...
فإن كان أبا أو أما ففيه قوله تعالى : " وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)" [الإسراء: 23 ، 24].
وإن كان غير ذلك ففيه قوله صلى الله عليه وسلم : " ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا". (*)
وما دام الأبناء قادرين على رعاية والديهم فلا يجوز بأي حال أن يدخل الوالدان إلى دور العجزة، لأن فيه جرحا لنفسيتهما وكسرا لجنابيهما، وبالتالي فهو لون من ألوان العقوق.

سادسا ـ هل يحق للوالد أن يُقسِم على ولده أنه لن يدخل الجنة ؟

لا يحق للأب أن يقسم على أحد أولاده أنه لن يدخل الجنة؛ فمكانة الوالدين في شريعة الإسلام مكانة سامقة، وحقوق الوالدين على أولادهم ثابتة لهم، ورغم ذلك يبقى أن دخول الجنة ليس بيد الوالدين، وإنما دخول الجنة بفضل الله ورحمته، وإن كان العقوق سببا من أسباب دخول النار، لكن التألي والقسم إن شاء الله أبر بقسم هذا الوالد أو الوالدة وإن شاء لم يكن لهذا القسم أثر في ذلك، وإن شاء جعل هذا القسم وبالا على المُقسم.
وهذا نظير مسألة المغفرة أو عدمها فإن أمرها بيد الله عز وجل وليس لأحد غيره أن يجزم بمغفرة ذنب، أو عدمه قال تعالى على لسان عيسى عليه الصلاة والسلام: "إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)" [المائدة 118:].
فأنبياء الله ورسله؛ اصطفاهم الله على العالمين؛ وأرسل إليهم ملائكته؛ وأنزل عليهم كتبه، وجعل سبحانه منهم الخليل والكليم وفضلهم على العالمين، ومع ذلك لا يغفرون ذنبا لأحد، ولا يدخلون أحدا الجنة، ولا النار، وإنما ما يملكونه هو الشفاعة ولكن بعد إذن المولى عز وجل.
قال تعالى مخاطبا سيد الخلق أجمعين محمدا بن عبد الله صلى الله عليه وسلم : "لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129)" [آل عمران: 128،129].
قال الإمام الطبري في تفسير الآيتين:
"وتأويل قوله :"ليس لك من الأمر شيء"، ليس إليك، يا محمد، من أمر خلقي إلا أن تنفذ فيهم أمري، وتنتهيَ فيهم إلى طاعتي، وإنما أمرهم إليّ والقضاء فيهم بيدي دون غيري، أقضى فيهم وأحكمُ بالذي أشاء، من التوبة على من كفر بي وعصاني وخالف أمري، أو العذاب إما في عاجل الدنيا بالقتل والنّقَم المبيرة، وإما في آجل الآخرة بما أعددتُ لأهل الكفر بي.
وقال القرطبي في تفسير الآيتين :"ثبت في صحيح مسلم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُسرت رباعيته يوم أحد، وشج في رأسه، فجعل يسلب الدم عنه ويقول : (كيف يُفلح قوم شجوا رأس نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله تعالى) فأنزل الله تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ.
وقال الضحاك: هم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يدعو على المشركين فأنزل الله تعالى:" لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ".
وقيل: استأذن في أن يدعو في استئصالهم، فلما نزلت هذه الآية علم أن منهم من سيسلم، وقد آمن كثير منهم: منهم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم. وروى الترمذي عن ابن عامر قال: وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو على أربعة نفر فأنزل الله عز وجل:" لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ" فهداهم الله للإسلام. وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. وقوله تعالى:" أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ" قيل: هو معطوف على" لِيَقْطَعَ طَرَفاً". والمعنى: ليقتل طائفة منهم، أو يحزنهم بالهزيمة أو يتوب عليهم أو يعذبهم... وإنما نبه الله تعالى نبيه على أن الأمر ليس إليه، وأنه لا يعلم من الغيب شيئا إلا ما أعلمه، وأن الأمر كله لله؛ يتوب على من يشاء ويعجل العقوبة لمن يشاء. والتقدير: ليس لك من الأمر شي، ولله ما في السموات وما في الأرض دونك ودونهم؛ يغفر لمن يشاء ويتوب على من يشاء".انتهى كلام القرطبي.
روى الإمام مسلم في صحيحه عَنْ جُنْدَبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدَّثَ «أَنَّ رَجُلاً قَالَ : وَاللَّهِ لاَ يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلاَنٍ. وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : مَنْ ذَا الَّذِى يَتَأَلَّى عَلَىَّ أَنْ لاَ أَغْفِرَ لِفُلاَنٍ! فَإِنِّى قَدْ غَفَرْتُ لِفُلاَنٍ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ». (*)
وروى ابن حبان في صحيحه عن ضمضم بن جوس، قال : دخلت مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإذا أنا بشيخ مصفر رأسه، براق الثنايا، معه رجل أدعج ، جميل الوجه ، شاب، فقال الشيخ : يا يمامي تعال ، لا تقولن لرجل أبدا : لا يغفر الله لك ، والله لا يدخلك الله الجنة أبدا ، قلت : ومن أنت ؟ يرحمك الله قال : أنا أبو هريرة ، قلت : إن هذه لكلمة يقولها أحدنا لبعض أهله أو لخادمه إذا غضب عليها ، قال : فلا تقلها ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " كان رجلان من بني إسرائيل متواخيين ، أحدهما مجتهد في العبادة ، والآخر مذنب، فأبصر المجتهدُ المذنبَ على ذنب ، فقال له : أقصر ، فقال له : خلنـي وربي، قال : وكان يعيد ذلك عليه ، ويقول : خلنـي وربي ، حتى وجده يوما على ذنب ، فاستعظمه ، فقال : ويحك أقصر قال : خلنـي وربي ، أبُعِثْتَ علي رقيبا ؟ فقال : والله لا يغفر الله لك أبدا ، أو قال : لا يدخلك الله الجنة أبدا ، فبُعِث إليهما ملكٌ فقبض أرواحهما ، فاجتمعا عنده جل وعلا ، فقال ربنا للمجتهد : أكنت عالما؟ أم كنت قادرا على ما في يدي؟ أم تحظر رحمتي على عبدي ؟ اذهب إلى الجنة يريد المذنب، وقال للآخر : اذهبوا به إلى النار " ، فوالذي نفسي بيده لَتَكَلَّمَ بكلمة أوبقت دنياه وآخرته). (*)
والتألي من الألية - بتشديد الياء - وهي اليمين، ومعنى يتألى : يحلف، وقوله : " من ذا الذي": استفهام إنكار. فهذا الرجل أساء الأدب مع الله، وحكم على الله أنه لا يغفر لهذا المذنب، وهذا من جهله بمقام الربوبية، واغتراره بنفسه وبعمله وأنه مقبول العمل، وأن الآخر كثير الذنوب هالك لا محالة؛ فعامله الله سبحانه وتعالى بنقيض قصده، فغفر لهذا المذنب بسببه، وأحبط عمله بسبب هذه الكلمة السيئة التي صدرت منه.
قال أبو هريرة رضي الله عنه : تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته.
ولفظ : "أوبقت" معناه أهلكت.
فوائد الحديث والأحكام المستخرجة منه:
ـ يوجب الحديث التأدب مع الله سبحانه وتعالى في الأقوال والأفعال.
ـ شأن المغفرة والرحمة، أو العذاب والمؤاخذة، أو العفو والصفح أو عدمه، أو إدخال العبد الجنة أو النار أمر اختص به رب الأرباب، وليس لأحد سبيل فيه على الله عز وجل.
ـ تحريم الإعجاب بالنفس والاغترار بالعمل واحتقار الآخرين.
ـ تحريم الحلف على الله إذا كان على جهة الحجر عليه أن لا يفعل الخير بعباده، وألا يغفر لهم، وألا يدخلهم الجنة.

سابعا ـ وهل يجوز للوالد الدعاء على ولده بسبب العصيان؟

روى البخاري في صحيحه (*) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي). وقد ورد النهي عن دعاء المسلم على نفسه أو على ولده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم). (*) والخلاصة أن على المؤمن أن يدعو لأولاده بالهداية والاستقامة والصلاح، ويجتهد في ذلك عسى أن يستجيب الله له، وكم من ولد كان في صغره شديدا ومتعبا لوالديه، ولكنه صار في كبره صالحا مستقيما، فدعاء الوالد والوالدة لأولادهما مستجاب؛ فليجتهدا في الدعاء له بالصلاح والفلاح والتوبة والمغفرة والهداية.

ثامنا ـ إذا كان الولد عاقا لوالديه في حياتهما، فهل يمكن لهذا العقوق أن يزول بعد موتهما؟

الأصل في البرور بالوالدين أن يكون في حياتهما؛ حتى ينتفعا بهذا البرور؛ لكن إن حدث ولم يكن بارا بهما في حياتيهما، فليستغفر الله لهما وليكثر من الدعاء لهما، وليعمل على إصلاح نفسه بطاعة الله ورسوله حتى يصدق عليه أنه ولد صالح؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة : إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" . ويشرع التوبة من جميع الذنوب؛ فالشرك بالله أعظم ذنب على الإطلاق، وهو من الموبقات بل هو أعظمها، ومع ذلك؛ فمن تاب إلى الله منه، قبل الله توبته؛ قال تعالى : "قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ (38)" [الأنفال : 38]. وروى الإمام أحمد والطبراني والبيهقي من حديث عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الإسلام يَجُبُّ ما قبله" ولمسلم من حديثه بلفظ: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله". وفي سنن أبي داود من حديث أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي ، قال : بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذ جاءه رجل من بني سلمة، فقال : يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما ؟ قال : "نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما". وعلى المسلم أن يجعل نصب عينيه حديث أبي سعيد الخدري : أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا فسأل عن أعلم أهل الأرض؛ فدل على راهب، فأتاه فقال : إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة؟ فقال : لا. فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض؛ فدل على رجل عالم. فقال: إنه قتل مائة نفس؛ فهل له من توبة؟ فقال : نعم ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا؛ فإن بها أناسا يعبدون الله، فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت؛ فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب؛ فقالت ملائكة الرحمة : جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله. وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيرا قط؛ فأتاه ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم؛ فقال : قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد؛ فقبضته ملائكة الرحمة". (*) وعلى المسلم أن يعلم أن من أعظم الذنوب بعد الشرك بالله : القنوط من رحمة الله، وهذا باب من أبواب الأفكار الهدامة عند ضعيفي العلم بشرع الله حيث يلقي الشيطان في خلد بعض المذنبين أن ذنبه كبير وأن التوبة لا تنفع منه، فييئسه من رحمة الله، ويجعله ما دام غير مغفور له مستمرا في معاصيه إلى أن يموت على ذلك. قال تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)" [الزمر : 53 ]. وخلاصة هذا الباب أن التوبة الصادقة مشروعة من جميع الذنوب كبيرها وصغيرها؛ ولا تنفع التوبة في حالتين: عند طلوع الشمس من مغربها، أو عند الغرغرة. روى الإمام مسلم من حديث أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا؛ فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ؛ فَيَوْمَئِذٍ لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمَانِهَا خَيْرًا". قال تعالى : "يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158)" [الأنعام : 158]. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ". (*) . وأصل الغرغرة تردد الماء وغيره في الحلق والغرغرة صوت معه بحح ويقال الراعي يغرر بصوته أي : يردده في حلقه ويتغرغر صورته في حلقه أي: يتردد، ومعناه في الحديث تردد النفس في الحلق عند نزع الروح. قال ابن بطال في شرحه لصحيح البخاري : (وقد ثبت بالكتاب والسنة أن التوبة مقبولة ما لم يغرغر ابن آدم ، ويعاين قبض روحه). (*) وقال الإمام النووي : (وقد أجمع العلماء رضي الله عنهم على قبول التوبة ما لم يغرغر كما جاء فى الحديث). (*) وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي : (...ما لم يغرغر من الغرغرة؛ أي ما لم تبلغ الروح إلى الحلقوم، يعني ما لم يتيقن بالموت، فإن التوبة بعد التيقن بالموت لم يعتد بها لقوله تعالى : "وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ : إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18)" [النساء:18]. (*)