رُكـْنُ الفـتْـوَى

السؤال 18:

فضيلة الدكتور محمد الخرشافي، أنا فتاة أبلغ من العمر 18 سنة. فارق أبي أمي قبل ولادتي و غادر أرض الوطن. لم يُنفق علي أبي درهما واحدا منذ ولادتي و حتى الآن. فهل يجوز لي شرعا أن أرفع عليه دعوى النفقة، أم أن هذا قد يعتبر نوعا من أنواع العقوق. بالمقابل كيف يمكن أن أبرَّ بأبي رغم الحدود التي تفصل بيننا؟

جواب الدكتور محمد الخرشافي :

بسم الله الرحمن الرحيم.
أيها السائلة الكريمة إن الله عز وجل أمر في غير ما آية بعبادته سبحانه وتعالى وقرن ذلك بالإحسان إلى الوالدين؛ قال تعالى في سورة البقرة:" وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ... (83)". وقال تعالى في سورة النساء:"وَاعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى...(36)"، وقال تعالى في سورة الأنعام: " قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ألاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا...(151)". و الآيات كثيرة في هذا الصدد، كما أن أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم في الحث على برور الوالدين وعدم عقوقهما كثيرة؛ منها : قول رسول الله صلى الله عليه و سلم : (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس وقال: ألا وقول الزور، وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت).
و في صحيح مسلم (صحيح مسلم 4/1978) عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم رغِم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه. قيل: من يا رسول الله؟ قال : من أدرك أبويه عند الكبر؛ أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة).
وأخرج الطبراني في المعجم الأوسط (معجم الطبراني الأوسط 6/340 ح: 6570، و كذا في الصغير وهو حديث صحيح) أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله: إن أبي أخذ مالي. فقال النبي صلى الله عليه و سلم اذهب فاتني به، فأتاه فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه و سلم فقال : إن الله يقرئك السلام و يقول : إذا جاءك الشيخ فسله عن شيء قاله في نفسه، ما سمعته أذناه، فلما جاء الشيخ قال له النبي صلى الله عليه و سلم: ما بال ابنك يشكوك أتريد أن تأخذ ماله؟ فقال: سله يا رسول الله هل أُنفقه إلا على عماته أو خالاته أو على نفسي؟ فقال النبي صلى الله عليه و سلم : دعنا من هذا و أخبرنا عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك. فقال : والله يارسول الله ما يزال الله يزيدنا بك يقينا؛ لقد قلت في نفسي شيئا ما سمعته أذناي. قال: قل وأنا أسمع، قال: قلت:
 

غـذوتك مولوداً ومُنْتُكَ يافعا

تُعَلُّ بما أجني عليك وتنهـل

إذا ليلة ضافتك بالسُّقْمِ لَمْ أَبِتْ

لِـسُقْمِكَ إلا ساهرا أتـململُ

كأني أنا المطروق دونك بالذي

طُرِقْتَ به دوني فعيناي تهُملُ

تخافُ الردى نفسي عليك وإنها

لتعلم أن الموت وقت مؤجل

فـلما بلغت السنَّ والغاية التي

إليها مدى ما فيك كنت أؤمل

جـعلت جزائي غلظةً وفظاظةً

كأنك أنت المنعم المتفــضلُ

فـليتك إذ لم ترع حق أبـوتي

كما يفعل الجار المجاور تفعل

تـراه معـدا للـخلاف كأنـه

بِرَدٍّ على أهل الصواب موكل

ً وحـينئذ قال لـه النبي صلى الله عليه و سلم: أنت ومالك لأبيك).
ومعنى قوله [يافعا: شابا]، [ تنهل: تشرب مرة بعد مرة].
و هل بعد هذا يفكر المسلم في رفع دعوى على أبيه؟؟!!
فاسألي عن أبيك، و زوريه، وعامليه بالحسنى، إن احتاج إلى مال فاعطه مما أعطاك الله، ولا تذكري تقصيره فالله نسأل أن يتجاوز عنه وعنا. آمين.

فهرس الأسئلة