رُكـْنُ الفـتْـوَى

السؤال 20:

ما ذا يقول العلماء عن كتاب "غاية الحكيم "
Ghayat al-Hakim / Le Dessein du Sage/ Goal of the wise لمؤلفه المجريطي
Maslama ibn Qasim al-Majriti ؟

جواب الدكتور محمد الخرشافي :

ذكر صاحب كتاب : (عيون الأنباء في طبقات الأطباء - (ج 1 / ص 323) ترجمة : مسلمة بن قاسم المجريطي، أبو مسلمة، الأندلسي، المجريطي أي نسبة إلى مجريط وهي المسماة اليوم ب(مدريد) بإسبانيا، وذكر أنه توفي قبل الفتنة التي كانت سنة ثمان وتسعين وثلثمائة، وذكر من تلامذته طائفة أشهرهم : ابن السمح، وابن الصفار، والزهراوي، والكرماني، وابن خلدون.
وخير من يتكلم على علم الشيخ المجريطي هو تلميذه ابن خلدون، وابن خلدون يقول في مقدمته (ج 1 / ص 303) في (الفصل الثامن والعشرون) تحت عنوان : علوم السحر والطلسمات؛ يقول : هي علوم بكيفية استعدادات، تقتدر النفوس البشرية بها على التأثيرات في عالم العناصر: إما بغير معين، أو بمعين من الأمور السماوية، والأول هو السر، والثاني هو الطلسمات.
وقد بين ابن خلدون أنها محرمة لما تشتمل عليه من الضرر، ولكونها منافية لتوحيد الله عز وجل.
أما تحريمها فلكونها غش؛ لأنها تظهر غير الذهب في صورة الذهب؛ حيث يعتقد من يشتغل بذلك أنه يحول المعادن الخسيسة إلى ذهب خالص.
أما من حيث كونها منافية لتوحيد الله عز وجل: لأنها تعتمد على الجن والشياطين ـ وما يدعون أنهم خدام الكواكب ـ في صنع ما يسمى عندهم بالإكسير.
وقد بين ابن خلدون أن السحر وما شاكله من هذه العلوم كان في أهل بابل من السريانيين والكلدانيين، وفي أهل مصر من القبط وغيرهم.
ثم جاء مسلمة بن أحمد المجريطي إمام أهل الأندلس في التعاليم والسحريات، فلخص جميع تلك الكتب وهذبها، وجمع طرقها في كتابه الذي سماه غاية الحكيم، ولم يكتب أحد في هذا العلم بعده.
ثم تكلم عن النفوس البشرية؛ ومما قال: ونفوس السحرة لها خاصية التأثير في الأكوان واستجلاب روحانية الكواكب، للتصرف فيها، والتأثير بقوة نفسانية أو شيطانية...ونفوس الكهنة لها خاصية الاطلاع على المغيبات بقوى شيطانية... والنفوس الساحرة على مراتب ثلاثة:
فأولها المؤثرة بالهمة فقط من غير آلة ولا معين، وهذا هو الذي تسميه الفلاسفة السحر،
والثاني بمعين من مزاج الأفلاك أو العناصر أو خواص الأعداد، ويسمونه الطلسمات، وهو أضعف رتبة من الأولى.
والثالث تأثير في القوى المتخيلة. يعمد صاحب هذا التأثير إلى القوى المتخيلة، فيتصرف فيها بنوع من التصرف ويلقي فيها أنواعاً من الخيالات والمحاكاة وصوراً مما يقصده من ذلك، ثم ينـزلها إلى الحس من الرائين بقوة نفسه المؤثرة فيه، فينظرها الراؤون كأنها في الخارج، وليس هناك شيء من ذلك، كما يحكى عن بعضهم أنه يري البساتين والأنهار والقصور وليس هناك شيء من ذلك. ويسمى هذا عند الفلاسفة الشعوذة أو الشعبذة.
و في موطن آخر قال ابن خلدون في مقدمته: (1/322) : في (الفصل الثلاثون : علم الكيمياء) :
وهو علم ينظر في المادة التي يتم بها كون الذهب والفضة بالصناعة، ويشرح العمل الذي يوصل إلى ذلك، فيتصفحون المكونات كلها بعد معرفة أمزجتها وقواها لعلهم يعثرون على المادة المستعدة لذلك، حتى من الفضلات الحيوانية كالعظام والريش والبيض والعذرات فضلاً عن المعادن. ثم يشرح الأعمال التي تخرج بها تلك المادة من القوة إلى الفعل، مثل حل الأجسام إلى أجزائها الطبيعية بالتصعيد والتقطير وجمد الذائب منها بالتكليس، وإمهاء الصلب بالقهر والصلابة وأمثال ذلك. وفي زعمهم أنه يخرج بهذه الصناعات كلها جسم طبيعي يسمونة الإكسير، وأنه يلقى منه على الجسم المعدني المستعد لقبول صورة الذهب أو الفضة بالاستعداد القريب من الفعل، مثل الرصاص والقصدير والنحاس بعد أن يحمى بالنار فيعود ذهباً إبريزاً. ويكنون عن ذلك الإكسير إذ ألغزوا اصطلاحاتهم بالروح، وعن الجسم الذي يلقى عليه بالجسد. فشرح هذه الاصطلاحات وصورة هذا العمل الصناعي الذي يقلب هذه الأجساد المستعدة إلى صورة الذهب والفضة هو علم الكيمياء.
ثم أشار ابن خلدون إلى أن إمام المدونين في كتب السحر و الكيمياء و الإكسير... هو جابر بن حيان وأن له فيها سبعون رسالة؛ وخلاصة هذه الرسائل كما قال: (كلها شبيهة بالألغاز). ثم قال : (وكتب فيها مسلمة المجريطي ... كتابه الذي سماه رتبة الحكيم، وجعله قريناً لكتابه الآخر في السحر والطلسمات الذي سماه غاية الحكيم. وزعم أن هاتين الصناعتين هما نتيجتان للحكمة وثمرتان للعلوم، ومن لم يقف عليهما فهو فاقد ثمرة العلم والحكمة أجمع.
حقيقة ما يسمى عندهم بالإكسير: قال ابن خلدون في موضع آخر من المقدمة : (والمطلوب بالإكسير قلب المعدن إلى ما هو أشرف منه وأعلى، فهو تكوين وصلاح، والتكوين أصعب من الفساد، فلا يقاس الإكسير بالخميرة. وتحقيق الأمر في ذلك أن الكيمياء إن صح وجودها كما يزعم الحكماء المتكلمون فيها، مثل جابر بن حيان ومسلمة بن أحمد المجريطي وأمثالهم، فليست من باب الصنائع الطبيعية، ولا تتم بأمر صناعي. وليس كلامهم فيها من منحى الطبيعيات، إنما، هو من منحى كلامهم في الأمور السحرية وسائر الخوارق).
ويقول ابن خلدون في "تاريخه" مشنعا على من يسلك هذا السبيل: (وما ينضاف إليها من علوم النجامة والسحر والطلسمات ووقفت الشهرة في هذا المنتحل على مسلمة بن أحمد المجريطي من أهل الاندلس وتلميذه ودخل على الملة من هذه العلوم وأهلها داخلة واستهوت الكثير من الناس بما جنحوا إليها وقلدوا آراءها والذنب في ذلك لمن ارتكبه ولو شاء الله ما فعلوه).
قلت : وحتى بعد فهم مصطلحاتهم لن تصل من خلالها إلى شيء ينفعك في الدنيا أو في الآخرة، وكلها منافية لتوحيد الله سبحانه وتعالى بالعبودية له وحده؛ إذ مجمل ما فيها الاستعانة بقوى النفس الخفية، أو بقوى الجن والشياطين لإنجاز أعمال وأمور ...وهي كلها من قبيل صرف الطاعة إلى غير الله عز وجل، وهذا هو السر في كون كل من كان يتحدث في ما كان يسمى عندهم بعلم الكيمياء أو الإكسير ، أو السحر والطلسمات أن يدرجه ضمن علوم الحكمة و أن يعمي على الناس في بألغاز حتى يسلم من حكم أهل الشرع عليه بالكفر والفسق والبعد عن توحيد الله تعالى.
وهذا ما عناه ابن خلدون بقوله: ولما كانت هذه تخليقاً للذهب في غير مادته الخاصة به، كان من قبيل السحر، والمتكلمون فيه من أعلام الحكماء مثل جابر ومسلمة المجريطي. ومن كان قبلهم من حكماء الأمم، إنما نحوا هذا المنحى، ولهذا كان كلامهم فيه ألغازاً حذراً عليها من إنكار الشرائع على السحر وأنواعه، لا أن ذلك يرجع إلى الضنانـة بها [الضنانة هي البخل]، كما هو رأي من لم يذهب إلى التحقيق في ذلك.
وانظر كيف سمى مسلمة كتابه فيها رتبة الحكيم، وسمى كتابه في السحر والطلسمات غاية الحكيم، إشارة إلى عموم موضوع الغاية وخصوص موضوع هذه، لأن الغاية أعلى من الرتبة، فكأن مسائل الرتبة بعض من مسائل الغاية وتشاركها في الموضوعات. ومن كلامه في الفنين يتبين ما قلناه، ونحن نبين فيما بعد غلط من يزعم أن مدارك هذا الأمر بالصناعة الطبيعية. والله العليم الخبير).
وقد أطلت في الجواب على هذا السؤال بيانا للحق وإزاحة لما يعتقده بعض الجهلة في أن المشتغل بذلك من أهل القرب من الله، وأن هذه الخوارق التي يأتيها إنما هي خوارق مصدرها أنه من أهل الولاية.
الخلاصة : أن كتاب غاية الحكيم هو كتاب في السحر والطلسمات وأن من يشتغل به يشتغل بعلم باطل، مناقض لجميع الرسائل السماوية؛ ومناقض لجميع دعوات الرسل؛ لأن دعواتهم قامت على العبودية لله عز وجل؛ بينما السحر وما يليه يعتمد على التوكل والاعتماد على غير الله عز وجل؛ وكل من يعتمد على غير الله في قضاء أموره وتصريفها فهو مشرك بالله عز وجل.

فهرس الأسئلة