رُكـْنُ الفـتْـوَى

السؤال 25:

كيف كان التوازن النفسي في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

جواب الدكتور محمد الخرشافي :

شاءت العناية الإلهية أن يكون الرسل عليهم الصلاة والسلام من جنس من أرسل إليهم؛ وفي ذلك حكم كثيرة؛ منها : ألا يعترض معترض فيقول: يا رب لو أرسلت إلينا رسولا منا لأطعناه، فقطع الله دابر جميع الاعتراضات التي قد تأتي من هذه الجهة؛ فجعل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بشرا من جملة البشر لكنه اصطفاه واختاره ليكون رسولا إلى بني جنسه، ومعنى هذا أنه قد يعتري هذا الرسول الكريم ما يعتري البشر من الأمور التي لا تنال من اصطفائه لهذه المهمة العظمى؛ مهمة الرسالة، فهو يحزن إذا انتهكت حرمات الله...؛ فهو الحريص على هداية الناس؛ ولذا قال تعالى بشأنه : "فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6)"سورة الكهف. وقال تعالى كذلك : "لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3)"الشعراء.
وفي نفس الوقت إذا اشتد حزنه وغمه لعدم إيمان الناس برسالته الحقة، أو ناله من المشركين إذاية فإن الله سبحانه يسليه ويرفع عنه شدة تلك الإذاية أو يعزيه عن ذلك بما وقع للأنبياء والرسل والمؤمنين السابقين قبله؛ ونجد الله سبحانه في غير ما آية يطمئنه ويخبره بأنه حافظ له ممن يريد به شرا أو كيدا؛ قال تعالى : "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)"سورة المائدة، كما يقول عز وجل في آية أخرى : "فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95)" سورة الحجر.
ولما رده أصحاب الطائف ردا مُشِيناً تألم لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث الله له ملك الجبال ليأمره بما يفعل في شأن هؤلاء المشركين؛ جاء في صحيح البخاري أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : "هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ : لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ؛ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي؛ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ؛ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ. فَقَالَ : ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا".
و الخلاصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم موقن بأنه رسول الله؛ فإذا آمن به من عرض عليه دعوته فرح واستبشر، وإذا لم يؤمن به من عرض عليه الدعوة؛ تألم لذلك لشدة رحمته وشفقته على الناس؛ و إن شئت قلت : إن رعاية الله لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم هي التي تجعل نفسه متوازنة، وكل نفس إذا كانت مؤمنة مطيعة لله عز وجل فإنها تكون مطمئنة؛ وهذا الاطمئنان يورثها التوازن النفسي الكامل؛ فهي تفرح بما يفرح، وتقرح لما يقرح؛ لكن ميزان هذا الفرح وهذا القرح ميزان شرعي، وإذا كان كذلك فإن الفرح والقرح لا يفقدها صوابها ولا ينزع منها توازنها لاعتقادها أن المصائب ابتلاء وامتحان والمؤمن إذا نزلت به مصيبة استرجع و أوكل أمره إلى الله سبحانه وتعالى ؛ قال عز وجل : "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) [البقرة/155-157]".

فهرس الأسئلة