رُكـْنُ الفـتْـوَى

السؤال 29:

السلام عليكم، من فضلكم، أود أن أعرف ما إذا كانت درجة سعادة الرجل في الدنيا مؤشرا على سعادته في اليوم الآخر. مثلا، بالنسبة للاضطرابات النفسية التي يعاني منها شخص هل تعني أنه شقي أو تعس وأنه سيكون كذلك في الآخرة. إنه سؤال يحير كثيرا من المرضى. وجزاكم الله خيرا والسلام. انتهى السؤال.

جواب الدكتور محمد الخرشافي :

السعادة يمكن أن نقول إنها تتمثل في صورتين :

سعادة حقيقية لأنها منبعثة من أصل إيماني؛ ومن أمثلتها : السعادة التي تغمر قلب المؤمن إذا قام بعمل من أعمال البر والخير والصلاح؛ كإعانة محتاج، أو إسداء النصح لمن استنصحك، أو تفريج كربة مسلم، أو قضاء حاجة أخيك المسلم، أو إصلاح ذات البين...

وسعادة دنيوية لا صلة لها بعمل الخير ولا بأصل من أصول الإيمان؛ مثل تحصيل ربح مادي، أو فرح ونشوة لانتصار في معركة... فهذه إذا لم تكن لها جذور إيمانية لا تكون سعادة حقيقية.

وقد يصاب المسلم بهم وغم إما بسبب مرض أو أولاد أو زوجة أو مصيبة من المصائب التي حلت به... فقد يكون ما حل به من مصيبة أو مرض أو هم أو غم بسبب ذنب ارتكبه، وقد لا يكون ذلك بسبب ذنب ولكن ليمحو الله سيئات هذا العبد؛ حتى إذا مات مات وقد طهره الله من سائر الذنوب التي ارتكبها في الدنيا؛ روى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " ما من مسلم يشاك شوكة ، فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ، ومحيت عنه بها خطيئة) وفي حديث آخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما يصيب المؤمن من شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة، أو حط عنه بها خطيئة)،وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما يصيب المسلم ، من نصب ولا وصب ، ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم ، حتى الشوكة يشاكها ، إلا كفر الله بها من خطاياه) وروى ابن حبان في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( " إن المؤمن إذا حضره الموت حضرته ملائكة الرحمة ، فإذا قبضت نفسه جعلت في حريرة بيضاء ، فينطلق بها إلى باب السماء ، فيقولون : ما وجدنا ريحا أطيب من هذه ، فيقال : دعوه يستريح ، فإنه كان في غم ، فيسأل ما فعل فلان ؟ ما فعل فلان ؟ ما فعلت فلانة ؟ . وأما الكافر فإذا قبضت نفسه وذهب بها إلى باب الأرض يقول خزنة الأرض : ما وجدنا ريحا أنتن من هذه ، فتبلغ بها إلى الأرض السفلى)، وروى ابن حبان في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله من أشد الناس بلاء ؟ قال : " الأنبياء ، ثم الأمثل فالأمثل ، ويبتلى العبد على حسب دينه ، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يدعه يمشي على الأرض ، وما عليه خطيئة).

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصاب أحيانا بالهم؛ فقد روى الحاكم في مستدركه عن ابن مسعود رضي الله عنه ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل به هم أو غم قال : " يا حي ، يا قيوم ، برحمتك أستغيث " " هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه.

هذه النصوص وغيرها تدل على ان الله سبحانه وتعالى يبتلي عباده الصلحين ببلايا وأمراض ومصائب ليكفر عنهم من سيئاتهم وليرفع درجتهم في الجنة...

فمن كثرت عليه المصائب من المؤمنين لا يظن أن ذلك علامة تعاسة في الآخرة، بل هي علامة محبة وخير؛ لكن يكون ذلك فيه الخير العميم له متى رضي بذلك ولم يتسخط ولم يعترض على الله عز وجل.

فهرس الأسئلة