رُكـْنُ الفـتْـوَى

السؤال 30:

سؤال ورد من أ.م يتعلق بحكم إعطاء الرشوة: للحصول اليوم على وظيفة بعض الشباب الحاصلين على الشهادات يرشون المسؤولين على عدة مستويات في القطاع الخاص والوظيفة العمومية. فإذا حصل شخص على شغل أو ولج إلى منصب مسؤولية بوسيلة الرشوة هذه الممنوعة طبعا من طرف الإسلام، فما هو الأثر على الأجر الذي سيربحه من خلال هذا العمل: فهل هذا الأجر حلال أم حرام؟

جواب الدكتور محمد الخرشافي :

إعطاء الرشوة من الذنوب الكبائر؛ وهي من البغي والظلم والاعتداء؛ وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُمْلِي لِلظَّالِمِ؛ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ" ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : "وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ " [سورة هُود: 102] [البخاري (4686)، ومسلم (2583]

وقال تعالى: "وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ" َ [سورة البقرة: 188].

ولا شك أن تقديم الرشوة للحاكم من أكل أموال الناس بالباطل؛ قال تعالى فيمن هذا شأنه : "سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْت" [المائدة:42]. وقد فسر الحسن البصري السحت الوارد في الآية بالرشوة.

والرشوة من التصرفات السيئة والمحرمة، كما أنها تعرض أصحابها لغضب الله؛ بل ولعقابه في الدنيا والآخرة؛ فإن الله سبحانه يمهل ولا يغفل، وقد يعجل الله للظالم العقوبة في الدنيا قبل الآخرة. كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا ، مع ما يدخر له في الآخرة ، من البغي وقطيعة الرحم » (صحيح ابن حبان : الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ن02 (ج 2 / ص 401).

ولا شك أن الرشوة وسائر أنواع الظلم من البغي الذي حرمه الله.

وهي من كبائر الذنوب، وملعون صاحبها على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - قال : "لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الراشي والمرتشي"؛ رواه أحمد وأبو داود، ورواه الترمذي وزاد: "في الحكم"، وقال: "حديث حسن صحيح". وفي رواية: "والرائش"،

والراشي هو المعطي للرشوة، والمرتشي هو الآخذ للرشوة، والرائش هو الساعي بينهما لإيصال الرشوة من المعطي إلى الآخذ.

وأحكام الرشوة هاته لمن يعطيها لاستخلاص حق الغير، أو لظلم، أو للحكم بالباطل، أو غير ذلك من صنوف الاعتداء، أما من اضطر إلى إعطائها لأخذ حقه لأنه إن لم يعطها ضاع منه؛ فهذا لا يأثم لأنه لا سبيل لاستخلاص حقه إلا بذلك، لكن ليكن المسلم على بينة من أمره، ولا يتساهل فيقول هذا حقي، وليس حقه، إذ الله سبحانه وتعالى أعلم بك أيها المسلم، ولا يمكن أن تنفع معه الحيلة.

وبالتالي فمن اضطر لذلك وكانت له أجرة فهذه الأجرة لا علاقة لها بالرشوة وإنما علاقتها بالعمل هل هو مشروع، أو ليس بمشروع، وهل يقوم العامل بهذا العمل الذي وكل إليه على الوجه المشروع دون غش ولا ظلم.

وليتنبه المسلم إلى أضرار الرشوة؛ إذ أن إعطاء الرشوة كثيرا ما يعطل مصالح الناس، فهذا الموظف إذا أعطيته الرشوة واعتادها أصبح لا يريد القيام بعمل إلا إذا أخذ الرشوة عليه؛ فتضيع حقوق من لا يعطيها؛ لذلك لم يبح الإسلام سائر المحرمات إلا لأجل الضرورة، وليس كل حال من الأحوال يسمى ضرورة؛ إذ الضرورة مصطلح شرعي لا يجوز تهوين أمره.

قليتق المسلم الله في نفسه، ولا يقدم على المحرمات لأجل شبهة من الشبه التي قد يجد لها تأويلا ويقدم على استحلال ما هو محرم.

و الله أعلم.

فهرس الأسئلة