رُكـْنُ الفـتْـوَى

السؤال 32:

كيف يرى الإسلام العلاقة بين الزوجين في حالتي الوفاق والخلاف؟

جواب الدكتور محمد الخرشافي :

إن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ونَوَّعَه شعوبا وقبائل ليتعارف بعضه ببعض، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) [الحجرات/13]؛ هذا التعارف العام بين البشرية الذي تفيده كلمة الناس التي تطلق على مطلق بني البشر ذكرهم وأنثاهم صغيرهم وكبيرهم مؤمنهم وكافرهم...

ومن أقسام هذا التعارف العام تعارف خاص هيأ الله له البشرية؛ تعارف بين الذكر والأنثى؛ وهو تعارف من أجل استمرار الخليقة على وجه الأرض؛ وبدون هذا القسم من التعارف لا يتم للإنسان قرار ولا بقاء في هذه الحياة؛ وقد جبل الله عليه هذه الصنفين الذكر والأنثى؛ فجعل في الذكر نزوعا نحو الأنثى، وجعل في الأنثى نزوعا نحو الذكر؛ وهو نزوع ملزم للجنسين معا ليتم التعارف بينهما من أجل التكامل والبقاء والاستمرار النوعي في الأرض.

ولما كانت الغاية من خَلْقِ الخَلْقِ عبادته سبحانه وتعالى هيأ الله هذا التعارف بين الزوجين ليتم استمرار النسل؛ ومن ثم استمرار عبودية المخلوقين لخالقهم : [هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعـــَوَا اللَّهَ رَبَّهُـــــمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَـــكُونَنَّ مِنَ الشَّــــاكِرِينَ (189)] [الأعراف/189]؛ ولما أراد الله لهذا التعارف بين الزوجين أن يجعله مبنيا على أسس ثابتة أرسل الرسل وشرع الشرائع لتنظم جميع عناصر هذا التعارف وهذه العلاقة بين الزوجين.

إن أساس هذه العلاقة السكون والاطمئنان من هذا إلى هذه، ومن هذه إلى هذا، سكون متبادل، وتكامل لا يستغني عنه أحد الطرفين؛ علاقة حب وود مستمر، علاقة سماها الله سبحانه وتعالى بالميثاق الغليظ؛ قال تعالى : [وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21)] [النساء/21].

علاقة حنو وعطف؛ علاقة بذل وعطاء، علاقة تظلل بيت الزوجية لتعود بالخير العميم على جميع عناصره من ذرية طيبة تنشأ نشأة سعيدة؛ لتأخذ مشعل الهداية والإيمان لنقله لخلفها بيد أمينة واستقامة وصلاح...

وقد يعتور هذه العلاقة ما يعكر صفوها أو يغير مجراها السديد إلى خصومة وخلاف؛ آنذاك ينبغي أن يعمل عنصرا هذه الخلية الزوجية ليعيدا المياه لمجاريها وليعيدا للبيت سعادته؛ فإذا لم تستقم هذه المحاولة جاء دور أولي العقول الراجحة من أهل الزوج، ومن أهل الزوجة؛ ليتدخلا لمهمة الإصلاح؛ قال تعالى : [وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35)] [النساء/35]. هذا الإصلاح الذي لا يكون فيه حيف لا على الزوجة ولا على الزوج. وليس للحكمين أن يقوما بما من شأنه هدم هذا البيت؛ بل مهمتهما الإصلاح وليس غير؛ أما اتخاذ قرار الطلاق فهذا ليس من مهمتهما؛ قال تعالى : [إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا].

وهي إشارة في الآية الكريمة لما قامت من أجله حكومتهما بين الزوجين الذين حدث الشقاق بينهما؛ فإن كللت جهود الحكمين بخير وعادت السعادة لترفرف من جديد على هذا البيت؛ فذلك ما نبتغي.

وإن كانت الأخرى؛ ولم تستقم الحياة بينهما على الإطلاق؛ كان آخر الدواء الكي؛ والكي هنا هو الطلاق.

والطلاق بدوره في الإسلام ليس هدما لهذا التعارف بين الزوجين السابقين؛ بل هو علاج لهما معا؛ فقد يكون العيب في الزوج، وقد يكون في الزوجة، وقد يكون فيهما معا؛ فلا معنى في هذه الحالة أن نلزمهما بحياة لا يريدانها معا.

إن الطلاق في هذه الحالة علاج لنوع التعارف الذي بين هذين الزوجين الذين ما أديا المهمة التي خلقا لها؛ وهي مهمة السكون والاطمئنان بينهما؛ وهو فتح لصفحة جديدة قد يتوب فيها الزوجان السابقان إلى رشدهما بعد هذا الطلاق؛ فيراجع كل واحد منهما الآخر؛ فإن قررا العودة؛ فله أن يعيدها بيسر وسهولة ما دامت الرابطة بينهما لم تنفصم بالمرة (داخل العدة)؛ فإن انفصمت (انتهت عدتها) كان ذلك مستدعيا لعقد جديد وصداق جديد ورضا وقبول.

إن عنصر التعارف المؤسس عليه بيت الزوجية في الإسلام يراعى حتى في شرعية الطلاق؛ فإنما شرع الطلاق لإعادة صياغة التعارف لكل من الزوجين؛ لكن لهذا الزوج السابق مع زوجة جديدة، ولهذه الزوجة السابقة مع زوج جديد؛ وهذه الحكمة أشار إليها قوله تعالى : [وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130)] [النساء/130] .

فهذا الطلاق فرصة سانحة لحياة زوجية جديدة؛ عَلَّهَا تحقق للطرفين السابقين حياة سعيدة؛ غير التي كانت في تجربتهما السابقة؛ ولهذا قال تعالى : [وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ] .

فهذا يغنيه الله بزوجة أخرى غير تلك السابقة، وهذه يغنيها الله بزوج آخر غير الزوج السابق.

وإذا كانت القوامة في بيت الزوجية في الإسلام للرجل فهي قوامة خير وإصلاح؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «خيركم خيركم لأهله ، وأنا من خيركم لأهلي»( صحيح ابن حبان : الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان غ م - (ج 17 / ص 365).

فهرس الأسئلة