رُكـْنُ الفـتْـوَى

السؤال 36:

يرفض بعض الناس أي فعل أو أية سنة حسنة بحجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعلها. فهل ثمة أمثلة للسنة الحسنة التي لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنها تدخل في باب الاجتهاد، وبارك الله فيكم.

جواب الدكتور محمد الخرشافي :

للإجابة على هذا السؤال يلزم وضع مقدمة فيها بيان أن أعمال الإنسان تنقسم إلى قسمين :
قسم يتعلق بالدين والعبادة وما شرعه الله سبحانه وتعالى وهو الذي يقول فيه الفقهاء يعتريه الأحكام الخمسة الحلال والحرام والندب والكراهة والإباحة، وهذا القسم الشارع هو الذي يتولى شأنه، وليس للإنسان مدخل فيه؛ وحينما يعرض في هذا الأمر مسألة من مسائله على العالم؛ العالم في هذه الحالة وظيفته الكشف عن حكم الله، فإن كان نص المسألة المسؤول عنها في الكتاب والسنة أو الإجماع فعليه أن يأخذ به، وإن كانت المسألة غير منصوص عليها جاء دور الاجتهاد؛ والعالم آنذاك يجتهد بناء على القواعد المعروفة في الشريعة الإسلامية وأصول الفقه والمقاصد الشرعية وقضاء السلف الصالح في مثل ما عرض عليه.
والمفتي هو نائب عن الله وعن رسوله في إبلاغ السائل حكم الله عن مسألته، لأن السائل إنما يقول في عرض مسألته على العالم : ما حكم الله في كذا؟ فهو لم يقل له : مارأيك في كذا؛ لأن الرأي كان لمن كان إنما هو رأي، أما حكم الله فقد يستطيع المجتهد الكشف عنه؛ وإذا قدر على ذلك أخبر به، فإن لم يقدر على الكشف عنه أجاب بقوله : لا أدري.
وهو في هذه الحالة : حينما يجيب بلا أدري، يلزم السائل بالبحث عمن له علم بحكم الله في مسألته.
القسم الثاني : يتعلق بأمور الدنيا : مثل الزراعة والحدادة والهندسة والتكنولوجيا وغيرها من العلوم البشرية المتجددة التي للإنسان أن يجتهد في تحصيلها مادامت نافعة له ولجنسه وما دامت الضوابط الشرعية تحكمها.
الجواب :
في القسم الأول : هذا يرجع فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى الخلفاء الراشدين من بعده وإلى سلف الأمة الصالح، وهذا هو القسم الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد" (رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما). والمراد بالأمر هنا الدين، والمراد فهو "رد " أي مردود لا يقبله الله عز وجل.
أما القسم الثاني وهو الأمور الدنيوية فهذه للبشر أن يجتهد فيها بالقيد المذكور (وهو خضوعها للضوابط الشرعية)، وفي هذا يساق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون، فقال : " لو لم تفعلوا لصلح " قال : فخرج شيصا، فمر بهم فقال : "ما لنخلكم ؟ " قالوا : قلت كذا وكذا ، قال : " أنتم أعلم بأمر دنياكم". أخرجه مسلم.
وبناء على التقسيم المذكور يجب معرفة هذا العمل الذي يريد أن يأتيه الإنسان أهو من القسم الأول أو الثاني؛ فكل أمر يتعلق بالعبادة فلا مجال للتقدم بين يدي رسول الله فيه؛ أما إن كان من أمور الدنيا؛ ولهذا يقال في هذا الصدد : هل سبق لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكلم مثلا في الهاتف أو استعمل سيارة النقل أو ركب الطائرة؟ طبعا لا. فهذه أمور دنيوية تخضع لتقدم العلم، ومزية هذا الدين أنه جاء من عند علام الغيوب الذي يعلم ما كان سابقا، وما يكون لاحقا؛ فما شرعه شرعه بعلمه، وما حرمه حرمه بعلمه، وما أباحه أباحه بعلمه؛ فشريعته تدور مع مصلحة البشر؛ قال تعالى : "أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)" [الملك : 14].

فهرس الأسئلة