رُكـْنُ الفـتْـوَى

السؤال 41:

ما المقصود بأمراض القلوب (غير العضوية) وكيف يمكن تفاديها أو التخلص منها بالنسبة لمن أصيب بها؟

جواب الدكتور محمد الخرشافي :

قبل الجواب ينبغي أن يعلم أن القلوب على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: قلب سليم: وهو الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى اللهَ به، قال تعالى: "يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ ولا بَنُونَ (88) إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)" [الشعراء : 88، 89] .
والقلب السليم هو الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره، فسلم من العبودية إلا له، وسلم من تحكيم غير رسوله صلى الله عليه وسلم.
وبالجملة فالقلب السليم الصحيح هو الذي سلم من أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه ما، بل قد خلصت عبوديته لله: إرادة، ومحبة، وتوكلا، وإنابة، وإخباتا، وخشية، ورجاء، وخلص عمله لله، فإنْ أحب أحب لله، وإنْ أبغض أبغض في الله، وإنْ أعطى أعطى لله، وإنْ منع منع لله، فحبه كله لله، وقصده له، وبدنه له، وأعماله له، ونومه له، ويقظته له، وحديثه والحديث عنه أشهى إليه من كل حديث.( انظر : إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم، وكذا : "العلاج بالرقى من الكتاب والسنة، للشيخ سعيد بن علي بن وهب القحطاني.).
القسم الثاني : القلب الميت : وهو ضد الأول، وهو الذي لا يعرف ربه ولا يعبده، همه في تحصيل شهواته ولذاته، ولو كان فيها سخط ربه وغضبه، فهو متعبد لغير الله : حبا، وخوفا، ورجاء، ورضا وسخطا، وتعظيما، وذلا، إنْ أبغض أبغض لهواه، وإن أحب أحب لهواه، وإن أعطى أعطى لهواه، وإن منع منع لهواه، فالهوى إمامه، والشهوة قائده، والجهل سائقه.
القسم الثالث: القلب المريض: هو قلب له حياة وبه علة، فله مادتان تمدانه؛ هذه مرة وهذه أخرى، وهُوَ لِمَا غَلَبَ عليه منهما. ففيه من محبة الله تعالى والإيمان به، والإخلاص له، والتوكل عليه، وفيه من محبة الشهوات والحرص على تحصيلها، مثل الكبر، والعجب، والنفاق، والرياء، والشح والبخل؛ فإذا غلب عليه مقتضيات الإيمان أُحْيِـيَ مواته وصح إيمانه ويقينه، وإذا غلب عليه مقتضيات العلة كان للمرض أقرب وللفساد أوصل.
وعلاج القلب من جميع أمراضه قد تضمنه القرآن الكريم .
قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} سورة يونس ، الآية: 57 .
ويقول عز وجل : "وننـزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا" [سورة الإسراء ، الآية : 82 ].
وأمراض القلوب نوعان :
نوع لا يتألم به صاحبه في الحال وهو مرض الجهل، والشبهات والشكوك، وهذا هو أعظم النوعين ألما، ولكن لفساد القلب لا يحس به.
ونوع : مرض مؤلم في الحال : كالهم، والغم، والحزن، والغيظ، وهذا المرض قد يزول بأدوية طبيعية بإزالة أسبابه وغير ذلك (انظر : إغاثة اللهفان 1 / 44 ).
وعلاج القلب يكون بأمور أربعة:
الأمر الأول : بالقرآن الكريم؛ فإنه شفاء لما في الصدور من الشك، ويزيل ما فيها من الشرك ودنس الكفر، وأمراض الشبهات، والشهوات ، وهو هدى لمن علم بالحق وعمل به ، ورحمة لما يحصل به للمؤمنين من الثواب العاجل والآجل: "أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)" [الأنعام : 122].
الأمر الثاني : القلب يحتاج إلى ثلاثة أمور :
( أ ) ما يحفظ عليه قوته وذلك يكون بالإيمان والعمل الصالح وعمل أوراد الطاعات.
(ب) طلب العلم الشرعي؛ من كتاب وسنة؛ فقد َقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم "هَلا سَأَلُوا إذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعَيِّ السُّؤَالُ". (سنن أبي داود - كتاب الطهارة. باب في المجروح يتيمم - حديث : ‏287‏ ).
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ " إنَّ أَحَدًا لا يَزَالُ بِخَيْرِ مَا اتَّقَى اللَّهَ وَإِذَا شَكَّ فِي تَفْسِيرِ شَيْءٍ سَأَلَ رَجُلا فَشَفَاهُ...
(ج) : الدعاء؛ ذلك أن التعلق بالله عز وجل والإلحاح في الدعاء سبب لحصول كل خير وفضل.( انظر : العلاج بالرقى من الكتاب والسنة سعيد القحطاني 27.).
قال تعالى : "أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51)" [العنكبوت : 51].
قال العلامة ابن القيم رحمه الله : (فمَن لم يَشْفِه القرآنُ، فلا شفاه الله، ومَن لم يَكفِه، فلا كفاه الله).( زاد المعاد في هدي خير العباد ابن القيم 751 - (4 / 352)).

فهرس الأسئلة