رُكـْنُ الفـتْـوَى

السؤال 43:

هل كفالة اليتيم في الإسلام واجبة على أقاربه الميسورين كالعم والخال أم هي أمر اختياري؟

جواب الدكتور محمد الخرشافي :

لقد نصت الشريعة الإسلامية في نصوص كثيرة على رعاية اليتيم والإحسان إليه؛ قال الله تعالى : "وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36)" [النساء : 36]
وقال تعالى : "وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)" [البقرة : 177]
وقال تعالى : "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220)" [البقرة : 220] .
كما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرغب في كفالة اليتيم ، ومن ذلك ما حدث به سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا ، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئا » (متفق عليه، فقد أخرجه البخاري واللفظ له 5 \ 2032 ، كتاب الطلاق ، باب اللعان ، 5 \ 2237 ، كتاب الأدب ، باب فضل من يعول يتيما ومسلم 4 \ 2287 ، كتاب الزهد والرقائق ، باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم).
ومعنى الحديث أن كافل اليتيم يكون مرافقا للنبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، وهي مرتبة وأي مرتبة في الفضل والسبق.
وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة وأشار مالك بالسبابة والوسطى). (رواه مسلم برقم 2983). وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: (له أو لغيره) فسره الحافظ ابن حجر بقوله : (ومعنى قوله "له" بأن يكون جدا أو عما أو أخا أو نحو ذلك من الأقارب أو يكون أبو المولود قد مات فتقوم أمه مقامه).( فتح الباري : 10/436).
وقال النووي : (وأما قوله له أو لغيره فالذي له أن يكون قريبا له كجده وأمه وجدته وأخيه وأخته وعمه وخاله وعمته وخالته وغيرهم من أقاربه، والذي "لغيره" أن يكون أجنبيا).( شرح مسلم 18/113).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (من ضم يتيماً بين مسلمين في طعامه وشرابه حتى يستغني عنه وجبت له الجنة).( رواه أبو يعلى والطبراني وأحمد مختصراً بإسناد حسن كما قال الحافظ المنذري. وقال الألباني صحيح لغيره . انظر صحيح الترغيب والترهيب 2/676).
وعن زينب امرأة عبد اللّه بن مسعود - رضي اللّه عنهما- قالت: كنت في المسجد فرأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم. فقال: «تصدّقن ولو من حليّكنّ، وكانت زينب تنفق على عبد اللّه [بن مسعود زوجها] وأيتام في حجرها، فقالت لعبد اللّه: سل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : أيجزي عنّي أن أنفق عليك وعلى أيتامي في حجري من الصّدقة؟ فقال: سلي أنت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم. فانطلقت إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فوجدت امرأة من الأنصار على الباب، حاجتها مثل حاجتي، فمرّ علينا بلال، فقلنا: سل النّبيّ صلى الله عليه وسلم : أيجزي عنّي أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري؟ وقلنا لا تخبر بنا. فدخل فسأله، فقال: «من هما؟» قال: زينب. قال: «أيّ الزّيانب؟» قال: امرأة عبد اللّه. قال: «نعم، لها أجران [ولها أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة: أي أجر صلة الرحم وأجر منفعة الصدقة]: أجر القرابة وأجر الصّدقة») (البخاري- الفتح 5 (1466) واللفظ له، ومسلم (1000)).
والخلاصة أن كفالة اليتيم ليست واجبة، ولكن الشريعة الإسلامية رغبت في هذه الكفالة كما في النصوص السابقة، وجعلت أجرها عظيما حتى يسارع سائر المؤمنين لفعلها.

فهرس الأسئلة