رُكـْنُ الفـتْـوَى

السؤال 44:

ما هو علاج الوسواس القهري في الإسلام ؟

جواب الدكتور محمد الخرشافي :

قبل الجواب يمكن أن نقول:
الوسواس يقسم إلى ثلاثة أنواع :
النوع الأول : الوسواس الذي يدعو الإنسان عادة أن ينظر أو يستمع أو يفعل أمراً محرما. ويعد هذا النوع من الوساوس من طبيعة النفس البشرية (أي ليس مرضاً)، ويعتري كل أحد من بني آدم.
فإن استجاب لهذا الوسواس بشيء من جوارحه، فإنه قد عرض نفسه للحساب والجزاء من رب العالمين، فقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ، ما لم تعمل أو تتكلم). (صحيح البخاري - كتاب الطلاق. باب الطلاق في الإغلاق والكره - حديث : ‏4970). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قال الله عز وجل : إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه ، فإن عملها فاكتبوها سيئة ، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة ، فإن عملها فاكتبوها عشرا)"( صحيح مسلم - كتاب الإيمان. باب إذا هم العبد بحسنة كتبت - حديث : ‏208).
ويُعد مصدر هذا النوع من الوساوس عادة أحد ثلاثة أمور:
أ ـ النفس: وهي النفس الأمارة بالسوء . قال تعالى: "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)" [ق : 16].
ب ـ شياطين الجن : ودليل ذلك قوله تعالى : " من شر الوسواس الخناس ".
و هذه الوسوسة تقوى إذا غفل المسلم عن ذكر الله، وتضعف إذا ذكر العبد ربه واستعان به على دفعها.
ج ـ شياطين الإنس: ودليل ذلك قوله تعالى: " من الجنة والناس".
ذلك أن الوسواس كما يكون من الجن يكون من الإنس ولهذا قال تعالى : " من الجنة والناس".
النوع الثاني: تلك الوساوس العابرة ( غير المرضية ) التي تعرض للإنسان في صلاته وطهارته وعبادته ومعتقداته، وكذلك في شؤون حياته الدنيوية. وهذا النوع من الوساوس يلهي العبد عن عبادته فينسى كم ركعة صلى؟ أو هل غسل ذلك العضو من جسمه ؟ وغير ذلك من الوساوس في أمور الدين والدنيا. دليله ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عثمان بن أبي العاص - رضى الله عنه - قال : قلت : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي لبَِّسها علي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ذاك شيطان يقال له خِنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثاً " ففعلت ذلك فأذهبه الله تعالى عني.
وكما يعتري هذا النوع من الوساوس الإنسان في أمور دينه فإنه يصيبه أيضاً في أمور دنياه لأن الشيطان عدو للمسلم في شأنه كله.
وقد يزول هذا النوع من الوساوس عند الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، كما قد تخف شدته أحياناً بالتركيز أكثر في ذات العبادة.
النوع الثالث : الوساوس القهرية المرضية (مرض الوسواس القهري)، وهي علة مرضية تصيب بعض الناس كما تصيبهم أية أمراض أخرى. وهي أفكار أو حركات أو خواطر أو نزعات تكرر عنده في فكره، وعادة ما تكون ذات طابع بغيض يرفضها الفرد ويسعى في مقاومتها، لعلمه بأنها خاطئة ولا خير فيها، لكن هناك ما يدفعه إليها دفعاً وقد تلح عليه حتى أنها تكون أقوى منه؛ حيث يفشل في أغلب الأحيان في مقاومتها .
ويعتري هذا النوع من الوساوس الإنسان أيضاً في عباداته وكذلك في شؤون حياته الدنيوية.
مثال ذلك (في العبادات) : أن المصلي يكرر تكبيرة الإحرام عدة مرات، أو أنه يقرأ الفاتحة عدة مرات أو يكرر غسل عضو من الأعضاء مرات كثيرة...
أما حكمه الشرعي : إذا كان الوسواس القهري مرض - كما ذكر – وكان المسلم لا يستطيع الاحتراز منه فإن الله سبحانه وتعالى لا يؤاخذه عليه ؛ لأنه خارج عن إرادته ، قال الله تعالى : "لا يكلَف الله نّفسا إلاَّ مّا آتّاها" الطلاق/7 . وقال تعالى : "فاتقوا اللّه ما استطعتم" التغابن/16 . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ ) رواه البخاري (4968) ومسلم (127) .
وعلى من ابتلي بمثل هذا الوسواس أن يداوم على قراءة القرآن والأذكار الشرعية صباحا ومساء، وعليه أن يقوي إيمانه بالطاعات والبعد عن المنكرات، كما عليه أن يشتغل بطلب العلم ، فإن الشيطان إن تمكن من العابد فلن يتمكن من العالم .

فهرس الأسئلة