رُكـْنُ الفـتْـوَى

السؤال 45:

هل يجوز في الإسلام للأولاد إيداع الوالدين في دار العجزة رغم توفرهم على جميع الإمكانيات للإحسان إليهم؟

جواب الدكتور محمد الخرشافي :

روى البخاري [صحيح البخاري - كتاب الأدب. باب : من أحق الناس بحسن الصحبة - حديث : ‏5633] ومسلم [صحيح مسلم - كتاب البر والصلة والآداب. باب بر الوالدين وأنهما أحق به - حديث : ‏4726‏] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي ؟ قَالَ : أُمُّكَ . قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : ثُمَّ أُمُّكَ . قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : ثُمَّ أُمُّكَ .قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : ثُمَّ أَبُوكَ) .
إلى غير ذلك من النصوص التي لا يتسع المقام لذكرها .
وقد جعل الإسلام من حق الأم على ولدها أن ينفق عليها إذا احتاجت إلى النفقة، ما دام قادرا مستطيعا، ولهذا لم يعرف عن أهل الإسلام طيلة قرون عديدة أن المرأة تُترك في دور العجزة، أو يخرجها ابنها من البيت، أو يمتنع أبناؤها من النفقة عليها، أو تحتاج مع وجودهم إلى العمل لتأكل وتشرب .
وكرم الإسلام المرأة زوجةً ، فأوصى بها الأزواج خيرا ، وأمر بالإحسان في عشرتها ، وأخبر أن لها من الحق مثل ما للزوج إلا أنه يزيد عليها درجة، لمسئوليته في الإنفاق والقيام على شئون الأسرة ، وبين أن خير المسلمين أفضلُهم تعاملا مع زوجته، وحرم أخذ مالها بغير رضاها، ومن ذلك قوله تعالى:"وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ" النساء/19 ، وقوله : "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" البقرة/228 .
وقوله صلى الله عليه وسلم : ( اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا ) رواه البخاري (3331) ومسلم (1468)، وقوله صلى الله عليه وسلم : ( خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي ) رواه الترمذي (3895) وابن ماجه (1977) وصححه الألباني في صحيح الترمذي .
ومما يدل على عناية الإسلام بالبنت كذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ وَضَمَّ أَصَابِعَهُ ) رواه مسلم(2631).
وروى ابن ماجه (3669) عن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ رضي الله عنه قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَنْ كَانَ لَهُ ثَلاثُ بَنَاتٍ ، فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ ، وَأَطْعَمَهُنَّ وَسَقَاهُنَّ وَكَسَاهُنَّ مِنْ جِدَتِهِ كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه .
وقوله : (من جِدَته) أي من غناه .
وما قاله الإسلام في المرأة الأم قاله في الرجل الوالد، والنصوص في وجوب برور الوالدين كثيرة جدا.
وروى البخاري (5988) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ : قال اللَّهُ تعالى - عن الرحم- : (مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ) .
وهذه بعض النصوص الواردة في وجوب برور الوالدين :
أخرج النسائي والبزار واللفظ له باسنادين جيدين والحاكم ، وقال صحيح الإسناد، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان عطاءَه وثلاثة لا يدخلون الجنة العاق لوالديه، والديوث، والرجلة من النساء".
وأخرج أحمد واللفظ له والنسائي والبزار والحاكم وقال صحيح الإسناد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ثلاثة حرم الله تبارك وتعالى عليهم الجنة، مدمن الخمر، والعاق، والديوث الذي يقر الخبث في أهله".
وقال صلى الله عليه وسلم : " كل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين، فإن الله يعجله لصاحبه في الحياة الدنيا قبل الممات" [ رواه البخاري في الأدب المفرد بمعناه، والطبراني في الكبير، والحاكم في المستدرك .
ومن أقبح العقوق وأشنعه أن يترفع الولد على والديه ويتكبر عليهما...
وفيما ذكرت من الأدلة الحاثة على بر الوالدين ، والمحذرة من عقوقهما كفاية، وذلك لمن أراد العبرة والاعتبار، والعظة والاتعاظ ، فترى البار بوالديه محبوب لدى الناس ، محبب إلى القلوب، مقرب إلى النفوس ، يتمنى الناس وده والقرب منه، ويتأهب الجميع لمساعدته إذا وقع في ضيق أو حرج .
أما العاق لوالديه، فإن الله يبغضه ويسخط عليه فلذلك لا قبول له في الدنيا، لا محب له من الناس، الجميع ينفر منه ويهرب عنه، فهو شر وقد يلحق شره غيره.
والمجتمع الإسلامي طيلة حقبته الماضية لم يعرف دور العجزة؛ لأنه مجتمع متكافل، وللمسن فيه مكانة خاصة سواء كان أبا أو جدا أو أما أو جدة، أو خالة أو عما أو عمة...
فإن كان أبا أو أما ففيه قوله تعالى : " وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)" [الإسراء : 23 ، 24].
وإن كان غير ذلك ففيه قوله صلى الله عليه وسلم : " ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا".( المستدرك على الصحيحين للحاكم - كتاب العلم. فصل : في توقير العالم - حديث : ‏381)
وما دام الأبناء قادرين على رعاية والديهم فلا يجوز بأي حال أن يدخل الوالدان إلى دور العجزة، لأن فيه جرحا لنفسيتهما وكسرا لجنابيهما.

فهرس الأسئلة