رُكـْنُ الفـتْـوَى

السؤال 47 :

هل الذي يعق والديه يكون بسلوكه هذا قد حكم على أبنائه بالعقوق؟ بعبارة أخرى هل هناك أسباب وراثية للعقوق؟

جواب الدكتور محمد الخرشافي :

كل إنسان عليه منتان؛ منة الخلق وهي من الله عز وجل، ومنة الولادة وهي من الوالدين، وهذا القانون الإلهي جار على البشرية جمعاء، ولم يسلم منه إلا آدم وحواء؛ فليس عليهما إلا منة واحدة؛ هي منة الخلق من الله عز وجل، وكذلك يستثنى من هذا القانون عيسى عليه الصلاة والسلام فعليه منة الخلق من الله، ومنة الولادة من والدته؛ ولم يكن له منة والد؛ قال تعالى :
"إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45)" [آل عمران : 45].
وقال تعالى : "إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59)" [آل عمران : 59].
وقال عز وجل : "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا (171)" [النساء : 171]
وقال عز وجل : "وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12)" [التحريم : 12]
فهذه الآيات وغيرها تنص على أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان آية من آيات الله إذ خلقه الله تعالى من غير أب، والناظر في كتاب الله يجد أن عيسى عليه السلام إما أن يذكر في كتاب الله عريا عن النسبة؛ وإذا نسب لا ينسب إلا إلى أمه؛ فيذكر هكذا "عيسى ابن مريم".
وإذا كانت المنة لسائر بني آدم من الله، ثم من الوالدين وجب شكر الله وشكر الوالدين، وكتاب الله كثيرا ما يقرن الأمر بشكر الله وطاعته وشكر الوالدين وطاعتهما؛ من ذلك :
قال تعالى : "وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15)" [لقمان:13-15].
وقال تعالى : "وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)" [البقرة:83].
وقال تعالى : "وَاعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا (36)" [النساء:36].
وقال تعالى : "قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ولا تَقْتُلُوا أَولادَكُمْ مِنْ إِملاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ولا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)" [الأنعام:151].
وقال تعالى : "وَقَضَى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23)" [الإسراء:23].
ولما كانت منة الخلق والإيجاد أعظم من منة الولادة كان وجوب طاعة الوالدين في كل ما أمرا به من معروف، وكان النهي عن طاعتهما فيما فيه شرك بالله عز وجل؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وقد جعل الشرع طاعة الوالدين من أسباب دخول الجنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "رغم أنف ثم، رغم أنف، ثم رغم أنف، قيل من؟ يا رسول الله. قال : من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة". ((صحيح مسلم-(4/1978) . (9 - (2551).
وروى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فقال : "آمين آمين آمين " قيل : يا رسول الله إنك حين صعدت المنبر قلت : آمين آمين آمين قال : "إن جبريل أتاني فقال : من أدرك شهر رمضان ولم يغفر له فدخل النار فأبعده الله قل : آمين فقلت : آمين، ومن أدرك أبوية أو أحدهما؛ فلم يبرهما؛ فمات فدخل النار فأبعده الله قل : آمين فقلت : آمين، ومن ذُكِرت عنده فلم يصل عليك؛ فمات، فدخل النار فأبعده الله قل : آمين فقلت : آمين". ـ صحيح ابن حبان - ث 354 - (3 / 188( 907 – وهو حديث حسن.
ولما كان السؤال من باب قاعدة الجزاء من جنس العمل وجب التذكير بهذه القاعدة :
إن الناظر في كتاب الله يجد تطبيقات لهذه القاعدة في عدة آيات؛ فمنها:
"فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5)" [الصف:5].
وقال تعالى : "وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا (72)" [الإسراء:72].
هذان نموذجان من قاعدة الجزاء من جنس العمل في كتاب الله؛ وفي السنة أمثلة كثيرة لهذه القاعدة؛ منها :
وروى الطبراني في الكبير عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "رضا الرب في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما). والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع برقم : 3507 .
روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة؛ فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما؛ ستره الله يوم القيامة). صحيح مسلم : (4/1996 (2580).
وروى أبو داود والترمذي في سننهما : عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ " مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا؛ نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ - وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ؛ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؛ وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ في عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ".
ـ سنن أبى داود (4/442) ح:4948 ، وكذا الترمذي في سننه.
وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من قتل نفسه بحديدة؛ فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم، خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن شرب سما؛ فقتل نفسه؛ فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل؛ فقتل نفسه؛ فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا" صحيح مسلم (1/103) 175 - (109).
معنى : "يتوجأ بها في بطنه" أي يطعن. ومعنى : "يتحساه" أي يشربه في تمهل ويتجرعه. ومعنى "يتردى" أي يرمي بنفسه من شاهق والمراد أنه ينزل إلى دركات جهنم.
فالناظر في هذه الأحاديث يرى أن الجزاء في من جنس العمل؛ فرضا الوالدين جزاؤه رضا الرب، يجد مقابلة التنفيس في الدنيا بالتنفيس في الآخرة، والتيسير بالتيسير، والستر بالستر، والعون بالعون، وقتل النفس بالحديدة في الدنيا فيه الطعن بها يوم القيامة، وشرب السم في الدنيا بشربه يوم القيامة، وقتل النفس بالتردي من شاهق في الدنيا؛ فيه التردي بها يوم القيامة في دركات جهنم.
وقد ذكر بعض المفسرين أن من عق والديه عقه أولاده؛ مستندين إلى قوله تعالى: "ومن يعمل سوءا يجز به" [النساء:123].
وفي الأثر المأثور : "أَحْبِبْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ . وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مُلاقِيهِ . وَكُنْ كَمَا شِئْتَ فَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ".
ورحم الله الشافعي حيث قال:
عفُّوا تعفّ نساؤكم في المحرم…وتَجنّبوا ما لا يليق بمسلم
يا هاتكًا حُرم الرجال وتابعًا…طرق الفساد فأنت غيْر مُكرّم
من يزنِ في قوم بألفَي درهم…في أهله يزنى بربع الدرهم
إن الزنا دَين إن استَقرضتَه…كان الوَفا من أهل بيتك فاعلم.
ومع ما تقدم من هذه الأدلة والنصوص فإن من حصل منه نوع من عقوق الوالدين؛ فليتب إلى ربه ويستدرك ما استطاع استدراكه، فإن الله يقبل التوبة من التائب إذا كان صادقا.

فهرس الأسئلة