رُكـْنُ الفـتْـوَى

السؤال 48:

إذا كان الولد عاقا لوالديه في حياتهما، فهل يمكن لهذا العقوق أن يزول بعد موتهما؟

جواب الدكتور محمد الخرشافي :

الأصل في البرور بالوالدين أن يكون في حياتهما؛ حتى ينتفعا بهذا البرور؛ لكن إن حدث ولم يكن بارا بهما في حياتيهما، فليستغفر الله لهما وليكثر من الدعاء لهما، وليعمل على إصلاح نفسه بطاعة الله ورسوله حتى يصدق عليه أنه ولد صالح؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة : إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
ويشرع التوبة من جميع الذنوب؛ فالشرك بالله أعظم ذنب على الإطلاق، وهو من الموبقات بل هو أعظمها، ومع ذلك؛ فمن تاب إلى الله منه، قبل الله توبته؛ قال تعالى : "قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ (38)" [الأنفال : 38].
وروى الإمام أحمد والطبراني والبيهقي من حديث عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الإسلام يَجُبُّ ما قبله" ولمسلم من حديثه بلفظ: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله".
وفي سنن أبي داود من حديث أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي ، قال : بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذ جاءه رجل من بني سلمة، فقال : يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما ؟ قال : "نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما".
وعلى المسلم أن يجعل نصب عينيه حديث أبي سعيد الخدري : أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا فسأل عن أعلم أهل الأرض؛ فدل على راهب، فأتاه فقال : إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة؟ فقال : لا. فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض؛ فدل على رجل عالم. فقال : إنه قتل مائة نفس؛ فهل له من توبة؟ فقال : نعم ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا؛ فإن بها أناسا يعبدون الله، فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت؛ فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب؛ فقالت ملائكة الرحمة : جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله. وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيرا قط؛ فأتاه ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم؛ فقال : قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة". (صحيح مسلم (4 / 2118).
وعلى المسلم أن يعلم أن من أعظم الذنوب بعد الشرك بالله : القنوط من رحمة الله، وهذا باب من أبواب الأفكار الهدامة عند ضعيفي العلم بشرع الله حيث يلقي الشيطان في خلد بعض المذنبين أن ذنبه كبير وأن التوبة لا تنفع منه، فييئسه من رحمة الله، ويجعله ما دام غير مغفور له مستمرا في معاصيه إلى أن يموت على ذلك.
قال تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)" [الزمر : 53].
وخلاصة هذا الباب أن التوبة الصادقة مشروعة من جميع الذنوب كبيرها وصغيرها؛ ولا تنفع التوبة في حالتين : عند طلوع الشمس من مغربها، أو عند الغرغرة.
روى الإمام مسلم من حديث أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا؛ فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ؛ فَيَوْمَئِذٍ لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمَانِهَا خَيْرًا".
قال تعالى : "يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158)"[الأنعام : 158]
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ" أخرجه الترمذي في الدعوات، باب التوبة مفتوح بابها قبل الغرغرة: 9/521، وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجه في الزهد، باب ذكر التوبة، برقم (4253):2/1420. والحاكم في مستدركه [4/257] وصححه، ووافقه الذهبي. وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 2/132.

فهرس الأسئلة