رُكـْنُ الفـتْـوَى

السؤال 49:

ما صحة الحديث الذي يقول بأن الميت يعذب ببكاء أهله عليه؟

جواب الدكتور محمد الخرشافي :

نسخة PDF

الأحاديث الواردة في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه وغيرها مما يساعد على فهمها:
1 ـ حديث عمربن الخطاب : عن أبي موسى الأشعري، قال : لما أصيب عمر رضي الله عنه جعل صهيب يقول : وا أخاه، فقال عمر : أما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إن الميت ليعذب ببكاء الحي".( صحيح البخاري - كتاب الجنائز. باب قول النبي صلى الله عليه وسلم :" يعذب الميت - حديث : ‏1241‏).
2 ـ ورى الإمام مسلم في صحيحه عن، أن عمر بن الخطاب، لما طعن عولت عليه حفصة، فقال : يا حفصة أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" الُمَعَوَّلُ عليه يعذب ؟" وعول عليه صهيب، فقال عمر : يا صهيب أما علمت" أن المعول عليه يعذب"؟ (صحيح مسلم - كتاب الجنائز. باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه - حديث : ‏1593).
3 ـ حديث عبد الله بن عمر : (عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، قال : توفيت ابنة لعثمان رضي الله عنه بمكة، وجئنا لنشهدها وحضرها ابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم، وإني لجالس بينهما - أو قال : جلست إلى أحدهما، ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي - فقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لعمرو بن عثمان : ألا تنهى عن البكاء فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه"، فقال ابن عباس رضي الله عنهما : قد كان عمر رضي الله عنه يقول بعض ذلك، ثم حدث، قال : صدرت مع عمر رضي الله عنه من مكة، حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو بركب تحت ظل سمرة، فقال : اذهب، فانظر مَن هؤلاء الركب، قال : فنظرت فإذا صهيب، فأخبرته فقال : ادعه لي، فرجعت إلى صهيب فقلت : ارتحل فالحق أمير المؤمنين، فلما أصيـب عمر دخل صهيب يبكي يقول : وا أخاه، وا صاحباه، فقال عمر رضي الله عنه : يا صهيب، أتبكي علي، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه"، قال ابن عباس رضي الله عنهما : فلما مات عمر رضي الله عنه ، ذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها، فقالت : رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه"، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه"، وقالت : حسبكم القرآن : {ولا تزر وازرة وزر أخرى}( وردت في عدة سور منها سورة فاطر الآية :18؛ ونص الآية : { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18)} [فاطر : 18]).
قال ابن عباس رضي الله عنهما :" عند ذلك والله هو أضحك وأبكى" قال ابن أبي مليكة :" والله ما قال ابن عمر رضي الله عنهما شيئا"( صحيح البخاري - كتاب الجنائز. باب قول النبي صلى الله عليه وسلم :" يعذب الميت - حديث : ‏1239‏).
مسألة في قول ابن أبي مليكة :" والله ما قال ابن عمر رضي الله عنهما شيئا".
يظهر من هذه العبارة أن ابن عمر قبل ما قالته عائشة، قلت ولكن هذا غير لازم، ولهذا قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري بعد ذكر هذه العبارة الواردة في هذا الحديث : (قَوْله : (مَا قَالَ اِبْن عُمَر شَيْئًا) َقَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : سُكُوته لا يَدُلّ عَلَى الإِذْعَان فَلَعَلَّهُ كَرِهَ الْمُجَادَلَة فِي ذَلِكَ الْمَقَام).( فتح الباري 3/160).
4 ـ عن عبد الله بن عمر، أن حفصة بكت على عمر، فقال : مهلا يا بنية ألم تعلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه" (صحيح مسلم - كتاب الجنائز. باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه - حديث : ‏1587).
5 ـ عن ابن عمر، قال : لما طعن عمر أغمي عليه، فصيح عليه، فلما أفاق، قال : أما علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال :" إن الميت ليعذب ببكاء الحي"( صحيح مسلم - كتاب الجنائز. باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه - حديث : ‏1590).
6 ـ حديث عائشة : عن عروة بن الزبير؛ أنه قال : ذكر عند عائشة رضي الله عنها، أن ابن عمر رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم :" إن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله" فقالت : وهل ؟ إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إنه ليعذب بخطيئته وذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن"، قالت : وذاك مثل قوله : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على القليب وفيه قتلى بدر من المشركين، فقال لهم ما قال :" إنهم ليسمعون ما أقول" إنما قال :"إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق"، ثم قرأت : {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل:80]، {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)} [فاطر:22] يقول حين تبوءوا مقاعدهم من النار(صحيح البخاري - كتاب المغازي . باب قتل أبي جهل - حديث : ‏3779‏).
7 ـ عن عروة بن الزبير، قال : ذكر عند عائشة قول ابن عمر : الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فقالت : رحم الله أبا عبد الرحمن، سمع شيئا فلم يحفظه، إنما مرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة يهودي، وهم يبكون عليه، فقال :" أنتم تبكون، وإنه ليعذب"( صحيح مسلم - كتاب الجنائز . باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه - حديث : ‏1597).
8 ـ حديث المغيرة بن شعبة : (عَنْ الْمُغِيرَةِ رضي الله عنه قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ؛ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ" سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ).( فتح الباري مع متن البخاري كاملا ابن حجر (3 / 160) ح: 1291).
9 ـ رَوَى ابن ماجه عن أَسِيدُ بْنُ أَبِي أَسِيدٍ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ، إِذَا قَالُوا : وَا عَضُدَاهُ، وَا كَاسِيَاهُ، وَا نَاصِرَاهُ، وَا جَبَلَاهُ، وَنَحْوَ هَذَا، يُتَعْتَعُ -أي يقلق ويزعج ويجر بشدة- وَيُقَالُ : أَنْتَ كَذَلِكَ ؟ أَنْتَ كَذَلِكَ ؟)
قَالَ أَسِيدٌ : فَقُلْتُ : سُبْحَانَ اللَّهِ ! إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).
قَالَ : وَيْحَكَ ! أُحَدِّثُكَ أَنَّ أَبَا مُوسَى حَدَّثَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَتَرَى أَنَّ أَبَا مُوسَى كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ؟! أَوْ تَرَى أَنِّي كَذَبْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى ؟!( سنن ابن ماجه (1594)، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه).
10 ـ وروى الترمذي عن أسيد بن أبي أسيد، أن موسى بن أبي موسى الأشعري، أخبره، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال :"" ما من ميت يموت فيقوم باكيه، فيقول : واجبلاه واسيداه أو نحو ذلك، إلا وكل به ملكان يلهزانه : أهكذا كنت ؟"" : هذا حديث حسن غريب (سنن الترمذي الجامع الصحيح - أبواب الجنائز عن رسول الله r باب ما جاء في كراهية البكاء على الميت - حديث : ‏960).
11 ـ عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، قال : أغمي على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته عمرة تبكي واجبلاه، واكذا واكذا، تعدد عليه، فقال حين أفاق :" ما قلت شيئا إلا قيل لي : آنت كذلك" (هذا سبيل الإنكار من كون ما نسب إليه ليس فيه، كما هي عادة من ينوح على الميت؛ فإنه يصف بما فيه من الأمجاد وبما ليس فيه؛ على سبيل المبالغة في تعداد المناقب) حدثنا قتيبة، حدثنا عبثر، عن حصين، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير،" قال أغمي على عبد الله بن رواحة بهذا فلما مات لم تبك عليه"( صحيح البخاري - كتاب المغازي. باب غزوة مؤتة من أرض الشأم - حديث : ‏4032‏، وكذا المستدرك على الصحيحين للحاكم - كتاب المغازي والسرايا. حديث : ‏4298).
12 ـ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال : اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم، فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله، فقال :" قد قضى" قالوا : لا يا رسول الله، فبكى النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما رأى القوم بكاء النبي صلى الله عليه وسلم بكوا، فقال :" ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم، وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه).( صحيح البخاري - كتاب الجنائز. باب البكاء عند المريض - حديث : ‏1255‏، وكذا مسلم في صحيحه - كتاب الجنائز. باب البكاء على الميت - حديث : ‏1583‏).
13 ـ عن أسامة، قال : كان ابن لبعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم يقضي(يقضي : يحتضر في النزع الأخير) ، فأرسلت إليه أن يأتيها، فأرسل" إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل إلى أجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب"، فأرسلت إليه فأقسمت عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقمت معه، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وعبادة بن الصامت، فلما دخلنا ناولوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبي ونفسه تقلقل في صدره - حسبته قال : كأنها شنة - فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال سعد بن عبادة أتبكي، فقال :" إنما يرحم الله من عباده الرحماء ).(صحيح البخاري - كتاب التوحيد. باب ما جاء في قول الله تعالى : إن رحمة الله - حديث : ‏7031).
14 ـ عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال : دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القين، وكان ظئرا(الظئر : المرضعة لغير ولدها، ويطلق على زوجها أيضا) لإبراهيم عليه السلام، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم، فقبله، وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان(وعيناه تذرفان : تسيل منهما الدموع)، فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه : وأنت يا رسول الله ؟ فقال :" يا ابن عوف إنها رحمة"، ثم أتبعها بأخرى، فقال صلى الله عليه وسلم :" إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون).( صحيح البخاري - كتاب الجنائز. باب قول النبي صلى الله عليه وسلم :" إنا بك - حديث : ‏1254).
إن الناظر في هذه الأحاديث يخلص إلى الآتي :
أن حديث : إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه رواه جمع من الصحابة، بل إنه من الأحاديث التي عدها جماعة من المحدثين من قسم الحديث المتواتر، فهذا محمد بن جعفر الكتاني ذكر أن عدد الصحابة الذين رووا هذا الحديث أحد عشر صحابيا.( انظر :"نظم المتناثر من الحديث المتواتر" لمحمد بن جعفر الكتاني ص:128).
وقال الإمام القرطبي :
((مسألة: نزعت عائشة رضى الله عنها بهذه الآية في الرد على ابن عمر حيث قال:" إن الميت ليعذب ببكاء أهله". قال علماؤنا: وإنما حملها على ذلك أنها لم تسمعه، وأنه معارض للآية. ولا وجه لإنكارها، فإن الرواة لهذا المعنى كثير، كعمر وابنه والمغيرة بن شعبة وقيلة بنت مخرمة، وهم جازمون بالرواية، فلا وجه لتخطئتهم. ولا معارضة بين الآية والحديث، فإن الحديث محمله على ما إذا كان النوح من وصية الميت وسنته، كما كانت الجاهلية تفعله، حتى قال طرفة:
إذا مت فانعينى بما أنا أهله ... وشقي على الجيب يا بنت معبد
وقال:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر)).( تفسير القرطبي - (10/231). لما تناول تفسير قوله تعالى : وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}).
أما أبو حفص عمر بن علي الدمشقي فيقول في كتابه :" اللباب في علوم الكتاب" :
((والجواب أنه يجب قبول أن الحديث لا يمكن ردُّه ؛ لثبوته وإقرار أعيان الصَّحابة له على ظاهره.
وعائشة - رضي الله عنها - لم تخبر أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نفى ذلك، وإنَّما تأوَّلتْ على ظاهر القرآن، ومن أثبت وسمع حجة على من نفى وأنكر .
وظاهر القرآن لا حجَّة فيه ؛ لأنَّ الله - تعالى - نفى أن يحمل أحد من ذنب غيره شيئاً، والميِّتُ لا يحمل من ذنب النائحة شيئاً، بل إثمُ النَّوح عليها، وهو قد يعذَّب من جهة أخرى بطريق نوحها، كمن سنَّ سنَّة سيئة، مع من عمل بها، ومن دعا إلى ضلالة، مع من أجابه .
والحديث الذي روتهُ حديثٌ آخر لا يجوز أن يردَّ به خبر الصَّادق ؛ لأنَّ القوم قد يشهدون كثيراً ممَّا لا تشهد، مع أنَّ روايتها تحقِّق ذلك الحديث ؛ فإنَّ الله - تعالى - إذا جاز أن يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله، جاز أن يعذِّب الميت ابتداء ببكاء أهله)).( اللباب في علوم الكتاب أبو حفص عمر بن علي الدمشقي (12 / 231).
وكانت العرب من عادتها أنها توصي بالنعي والنياحة حالة الموت؛ ومن ذلك وصية طرفة بن العبد لزوجته قائلا :
إذا مت فانعيني بما أنا أهله ** وشقي عليّ الجيب يا ابنة معبد(تفسير السراج المنير محمد بن أحمد الشربيني (2 / 227))
أما النووي فيقول :" وَأَجْمَعُوا كُلّهمْ عَلَى اِخْتِلَاف مَذَاهِبهمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْبُكَاءِ هُنَا الْبُكَاء بِصَوْتٍ وَنِيَاحَة لَا مُجَرَّد دَمْع الْعَيْن" انتهى(شرح النووي : 6/ 229).
فوائد لها صلة بتحرير موطن الاختلاف في فهم الحديث :
1 ـ أن الأحاديث الصحيحة التي صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ترد بالاجتهاد، فكيف بالمتواتر.
2 ـ تقول القاعدة: من حفظ حجة على من لم يحفظ، وهؤلاء طائفة من الصحابة نقلوا حديث الباب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3 ـ أحاديث الباب وردت بعدة ألفاظ لتكرار صدور هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ والحالة أنه ينبغي العمل على الجمع بين الأحاديث و الروايات الصحية وإعمالها ما أمكن إلى ذلك.
4 ـ حمل الحديث على أنه حادثة عين تختص بيهودية ولا يتعداها إلى غيرها كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، محمل جيد إلا أنه غير مقنع لوجود أحاديث أخر وروايات أخر في الباب تعمم.
5 ـ أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير مبين لمعنى الحديث وخير سبيل لبيان الجمع بين الروايات.
6 ـ البكاء على الميت يطلق على البكاء وحده، ويطلق على البكاء الذي يصاحبه عويل أو نوح أو لطم للوجوه وشق للجيوب ومدح للميت بما لم يكن فيه.
خ ـ عادة النعي والنوح عند العرب عادة متفشية فيهم، ولا يشرح الحديث بمعزل عن هذه العادة.

الخلاصة :

ـ حديث : "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" صحيح لا غبار على صحته.
ـ يجب حمل معنى الحديث على البكاء الذي يصاحبه نوح أو عويل أو شق للجيوب أولطم للخدود.
ـ ثبت في عدد كثير من الأحاديث بكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على طائفة ممن حضر موتهم؛ وقد سقت بعض هذه الأحاديث لبيان أن فعله صلى الله عليه وسلم خير مبين لمعنى الحديث؛ فالبكاء الذي لا يصاحبه أَمْـرٌ منهي عنه؛ مسموح به، بل هو دليل على ما في قلب الباكي من رحمة لقوله صلى الله عليه وسلم : (إنما يرحم الله من عباده الرحماء ).( صحيح البخاري - كتاب التوحيد. باب ما جاء في قول الله تعالى : إن رحمة الله - حديث : ‏7031)؛ بل وقوله صلى الله عليه وسلم هذا مشعر بما في قلبه صلى الله عليه وسلم من رحمة، وهي صفة محمودة معللة بأن الله إنما يرحم من عباده الرحماء.
ولما أنهيت تحرير الجواب عن معنى الحديث اطلعت على كلام نفيس لشيخ الإسلام ابن تيمية في الموضوع أحببت أن أنقله للفائدة :
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية : هَلْ يُؤْذِي الميتَ الْبُكَاءُ عَلَيْهِ؟ فأجاب :
((فَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ فِيهَا نِزَاعٌ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَالْعُلَمَاءِ. وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَتَأَذَّى بِالْبُكَاءِ عَلَيْهِ، كَمَا نَطَقَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (إنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ).
وَفِي لَفْظٍ : (مَنْ يُنَحْ عَلَيْهِ يُعَذَّبْ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ).
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ لَمَّا أُغْمِيَ عَلَيْهِ جَعَلَتْ أُخْتُهُ تَنْدُبُ، وَتَقُولُ: وَاعَضُدَاهُ، وَانَاصِرَاهُ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: مَا قُلْت لِي شَيْئًا إلَّا قِيلَ لِي: أَكَذَلِكَ أَنْتَ؟ وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ طَوَائِفُ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ تَعْذِيبِ الْإِنْسَانِ بِذَنْبِ غَيْرِهِ، فَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ثُمَّ تَنَوَّعَتْ طُرُقُهُمْ فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ غَلَّطِ الرُّوَاةَ لَهَا، كَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ عَائِشَةَ، وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى مَا إذَا أَوْصَى بِهِ فَيُعَذَّبُ عَلَى إيصَائِهِ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ: كَالْمُزَنِيِّ، وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ عَادَتُهُمْ، فَيُعَذَّبُ عَلَى تَرْكِ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ طَائِفَةٍ: مِنْهُمْ جَدِّي أَبُو الْبَرَكَاتِ وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ ضَعِيفَةٌ جِدًّا.
وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ الَّتِي يَرْوِيهَا مِثْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَغَيْرِهِمْ لَا تُرَدُّ بِمِثْلِ هَذَا. وَعَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَهَا مِثْلُ هَذَا نَظَائِرُ تَرُدُّ الْحَدِيثَ بِنَوْعٍ مِنْ التَّأْوِيلِ وَالِاجْتِهَادِ لِاعْتِقَادِهَا بُطْلَانَ مَعْنَاهُ، وَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ كَذَلِكَ.
وَمَنْ تَدَبَّرَ هَذَا الْبَابَ وَجَدَ هَذَا الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ الصَّرِيحَ الَّذِي يَرْوِيهِ الثِّقَةُ لَا يَرُدُّهُ أَحَدٌ بِمِثْلِ هَذَا إلَّا كَانَ مُخْطِئًا.
وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا رَوَتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَفْظَيْنِ - وَهِيَ الصَّادِقَةُ فِيمَا نَقَلَتْهُ - فَرَوَتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَهُ: {إنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ} وَهَذَا مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ عُمَرَ، فَإِنَّهُ إذَا جَازَ أَنْ يَزِيدَهُ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ، جَازَ أَنْ يُعَذَّبَ غَيْرُهُ ابْتِدَاءً بِبُكَاءِ أَهْلِهِ ؛ وَلِهَذَا رَدَّ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَلَفِ الْحَدِيثِ هَذَا الْحَدِيثَ نَظَرًا إلَى الْمَعْنَى. وَقَالَ: الْأَشْبَهُ رِوَايَتُهَا الْأُخْرَى: (إنَّهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ لَيُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ).
وَاَلَّذِينَ أَقَرُّوا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى مُقْتَضَاهُ، ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ عُقُوبَةِ الْإِنْسَانِ بِذَنْبِ غَيْرِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ. وَاعْتَقَدَ هَؤُلَاءِ أَنَّ اللَّهَ يُعَاقِبُ الْإِنْسَانَ بِذَنْبِ غَيْرِهِ، فَجَوَّزُوا أَنْ يُدْخِلُوا أَوْلَادَ الْكُفَّارِ النَّارَ بِذُنُوبِ آبَائِهِمْ. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَهُ طَوَائِفُ مُنْتَسِبَةٌ إلَى السُّنَّةِ، فَاَلَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ أَنَّ اللَّهَ لَا يُدْخِلُ النَّارَ إلَّا مَنْ عَصَاهُ. كَمَا قَالَ: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} فَلَا بُدَّ أَنْ يَمْلَأَ جَهَنَّمَ مِنْ أَتْبَاعِ إبْلِيسَ، فَإِذَا امْتَلَأَتْ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ فِيهَا مَوْضِعٌ، فَمَنْ لَمْ يَتَّبِعْ إبْلِيسَ لَمْ يَدْخُلْ النَّارَ)). انتهـى (الفتاوى الكبرى ابن تيمية : (3 / 65).)

فهرس الأسئلة