رُكـْنُ الفـتْـوَى

السؤال 50:

أقسم والد بالله عز وجل بأنه سبحانه لن يدخل أحد أبنائه الجنة. فهل يحق له ذلك؟

جواب الدكتور محمد الخرشافي :

لا يحق للأب أن يقسم على أحد أولاده أنه لن يدخل الجنة؛ فمكانة الوالدين تقدمت معنا في عدة أجوبة، ورغم ذلك يبقى أن دخول الجنة ليس بيده؛ تقدم معنا عظم ذنب عقوق الوالدين.
فمسألة المغفرة أو عدمها أمر لله وليس لأحد غيره، قال تعالى على لسان عيسى عليه الصلاة والسلام: "إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)" [المائدة : 118].
فأنبياء الله ورسله؛ اصطفاهم الله على العالمين؛ وأرسل إليهم ملائكته؛ وأنزل عليهم كتبه، وجعل سبحانه منهم الخليل والكليم وفضلهم على العالمين، ومع ذلك لا يغفرون ذنبا لأحد، ولا يدخلون أحدا الجنة، ولا النار، وإنما ما يملكونه هو الشفاعة ولكن بعد إذن المولى عز وجل.
قال تعالى مخاطبا سيد الخلق أجمعين محمدا بن عبد الله صلى الله عليه وسلم : "لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129)" [آل عمران:128،129].
قال الإمام الطبري في تفسير الآيتين :
"وتأويل قوله:"ليس لك من الأمر شيء"، ليس إليك، يا محمد، من أمر خلقي إلا أن تنفذ فيهم أمري، وتنتهيَ فيهم إلى طاعتي، وإنما أمرهم إليّ والقضاء فيهم بيدي دون غيري، أقضى فيهم وأحكمُ بالذي أشاء، من التوبة على من كفر بي وعصاني وخالف أمري، أو العذاب إما في عاجل الدنيا بالقتل والنّقَم المبيرة، وإما في آجل الآخرة بما أعددتُ لأهل الكفر بي. كما".
وقال القرطبي في تفسير الآيتين :"ثبت في صحيح مسلم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في رأسه، فجعل يسلب الدم عنه ويقول: (كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله تعالى) فأنزل الله تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ). الضحاك: هم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يدعو على المشركين فأنزل الله تعالى:" لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ".
وقيل: استأذن في أن يدعو في استئصالهم، فلما نزلت هذه الآية علم أن منهم من سيسلم وقد آمن كثير منهم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم.
وروى الترمذي عن ابن عامر قال: وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو على أربعة نفر فأنزل الله عز وجل:" لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ" فهداهم الله للإسلام. وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح.
وقوله تعالى:" أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ" قيل: هو معطوف على" لِيَقْطَعَ طَرَفاً". والمعنى: ليقتل طائفة منهم، أو يحزنهم بالهزيمة أو يتوب عليهم أو يعذبهم... وإنما نبه الله تعالى نبيه على أن الأمر ليس إليه، وأنه لا يعلم من الغيب شيئا إلا ما أعلمه، وأن الأمر كله لله يتوب على من يشاء ويعجل العقوبة لمن يشاء. والتقدير: ليس لك من الأمر شي، ولله ما في السموات وما في الأرض دونك ودونهم؛ يغفر لمن يشاء ويتوب على من يشاء".انتهى كلام القرطبي.
روى الإمام مسلم في صحيحه عَنْ جُنْدَبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدَّثَ «أَنَّ رَجُلاً قَالَ : وَاللَّهِ لاَ يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلاَنٍ. وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : مَنْ ذَا الَّذِى يَتَأَلَّى عَلَىَّ أَنْ لاَ أَغْفِرَ لِفُلاَنٍ! فَإِنِّى قَدْ غَفَرْتُ لِفُلاَنٍ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ». (صحيح مسلم - (8 / 36) ح:6847)
وروى ابن حبان في صحيحه عن ضمضم بن جوس ، قال : دخلت مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإذا أنا بشيخ مصفر رأسه ، براق الثنايا ، معه رجل أدعج ، جميل الوجه ، شاب ، فقال الشيخ : يا يمامي تعال ، لا تقولن لرجل أبدا : لا يغفر الله لك ، والله لا يدخلك الله الجنة أبدا ، قلت : ومن أنت ؟ يرحمك الله قال : أنا أبو هريرة ، قلت : إن هذه لكلمة يقولها أحدنا لبعض أهله أو لخادمه إذا غضب عليها ، قال : فلا تقلها ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " كان رجلان من بني إسرائيل متواخيين ، أحدهما مجتهد في العبادة ، والآخر مذنب، فأبصر المجتهد المذنب على ذنب ، فقال له : أقصر ، فقال له : خلني وربي ، قال : وكان يعيد ذلك عليه ، ويقول : خلني وربي ، حتى وجده يوما على ذنب ، فاستعظمه ، فقال : ويحك أقصر قال : خلني وربي ، أبعثت علي رقيبا ؟ فقال : والله لا يغفر الله لك أبدا ، أو قال : لا يدخلك الله الجنة أبدا ، فبعث إليهما ملك فقبض أرواحهما ، فاجتمعا عنده جل وعلا ، فقال ربنا للمجتهد : أكنت عالما؟ أم كنت قادرا على ما في يدي ؟ أم تحظر رحمتي على عبدي ؟ اذهب إلى الجنة يريد المذنب، وقال للآخر : اذهبوا به إلى النار " ، فوالذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته).( صحيح ابن حبان - كتاب الحظر والإباحة. باب ما يكره من الكلام وما لا يكره - ذكر وصف هذين الرجلين اللذين قال أحدهما لصاحبه ما قال. حديث : ‏5790)
والتألي من الألية - بتشديد الياء - وهي اليمين، ومعنى يتألى : يحلف، وقوله : " من ذا الذي " : استفهام إنكار .
فهذا الرجل أساء الأدب مع الله، وحكم على الله أنه لا يغفر لهذا المذنب، وهذا من جهله بمقام الربوبية، واغتراره بنفسه وبعمله وأنه مقبول العمل، وأن الآخر كثير الذنوب هالك لا محالة؛ فعامله الله سبحانه وتعالى بنقيض قصده، فغفر لهذا المذنب بسببه، وأحبط عمله بسبب هذه الكلمة السيئة التي صدرت منه.
قال أبو هريرة رضي الله عنه : تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته .
فوائد الحديث والأحكام المستخرجة منه :
ـ يوجب الحديث التأدب مع الله سبحانه وتعالى في الأقوال والأفعال.
ـ تحريم الإعجاب بالنفس والاغترار بالعمل واحتقار الآخرين.
ـ تحريم الحلف على الله إذا كان على جهة الحجر عليه أن لا يفعل الخير بعباده، وألا يغفر لهم، وألا يدخلهم الجنة.
والله أعلى وأعلم .

فهرس الأسئلة