رُكـْنُ الفـتْـوَى

السؤال 56:

هل صحيح أن الله عز وجل يصلح بين المؤمنين يوم الحساب ويؤدي عن بعضهم التبعات؟

جواب الدكتور محمد الخرشافي :

قال الله تعالى : " إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا " [النساء:48].
وقال عز وجل : " إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا " [النساء : 116].
وقال سبحانه : " وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ " [لقمان:13].
هذه الآيات وغيرها تبين بجلاء عظم ذنب الشرك، وهو أعظم ذنب على الإطلاق، ولذا فإن الله سبحانه وتعالى يخبرنا أن هذا الذنب لا يغفره الله سبحانه وتعالى، وغير هذا الذنب هو في المشيئة، والمشيئة الإلهية ليس للإنسان عليها سبيل، وإنما هي أمر متعلق بالذات الإلهية، قال تعالى :
"إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ " [المائدة : 1]. وقال عز وجل : "وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ " [الرعد : 41].
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقول الله عز وجل : "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها أو أغفر، ومن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا، لقيته بمثلها مغفرة"( صحيح مسلم 1/5 ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي - (4 / 2068). 22 - ( 2687 ).
والنصوص الكثيرة من الكتاب والسنة كلها في سياق بيان عموم مغفرة الله سبحانه وتعالى.
ثم إن نصوصا أخرى توضح الفرق بين الذنوب التي بين الإنسان وربه، والذنوب التي بينه وبين العباد؛ فالذنوب التي بين الإنسان وربه ما التجأ العبد إلى ربه تائبا منها مستغفرا منيبا إلى ربه إلا غفرها الله له؛ قال الله تعالى : "وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى " [طه : 82]، وقال سبحانه : " نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " [الحجر : 49].
وباب سعة مغفرة الله باب فسيح الأرجاء لا يضيقه شيء؛ إذ مع التوبة والإنابة إلى الله تنكشف جميع الظلم وتغفر سائر الذنوب..
أما المظالم التي بين العباد فالأصل فيه المقاصة والتحلل منها؛ لأن البشر يغلب عليه الشح؛ وما رغب الله سبحانه وتعالى العباد في العفو إلا لعلمه عز وجل بما عليه الإنسان من عدم التسامح وحب رد السيئة بالسيئة.
قال تعالى : " وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ " [الشورى : 40].
وقال عز وجل : " وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران : 133 ، 134].
وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها؛ فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه"( فتح الباري مع متن البخاري كاملا ابن حجر - (11 / 395)6534).
وروى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار؛ فيقص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أُذِنَ لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا".( فتح الباري مع متن البخاري كاملا ابن حجر - (11 / 395)6535).
وإذا علم هذا ـ أي الفرق بين الذنوب التي بين العباد وبين الله، والتي بين العباد بعضهم بعضا ـ يجب أن يعلم أن مشيئة الله إذا تعلقت بالمغفرة لعبد من عباده؛ فهي فوق ضابط التفرقة السابقة؛ إذ حكم الله فوق كل حكم، وهو سبحانه وتعالى قادر على أن يثيب المظلوم فيعوضه عن المقاصة بما هو أفضل منها، وهو أن يجزيه بنعيم في الجنة أفضل من المقاصة والله ذو الفضل العظيم.
ثم ليعلم المومنون أن الله سبحانه وتعالى يقول في حق أهل الجنة : "وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ "[الأعراف:43].
كما يقول تعالى : " إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ. وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ " [الحجر:45-47].
فلا يدخل أهل الجنة الجنة إلا وقد صفت قلوبهم من الأكدار ونُفِيَ عنها الغل والحقد والحسد والتدابر والكراهية، فكل ما ينغص الحياة على المؤمن في الجنة ينفى عنه حتى يتمتع بالنعيم المقيم، ولا يتألم بمنغص من المنغصات.
وروى الإمام أحمد بسنده إلى أبي هريرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: "ما من عبد ظلم مظلمة فعفا عنها إلا أعز الله بها نصره" .( مسند أحمد ح: 9622، وانظر : فتح الباري مع متن البخاري كاملا ابن حجر - (5 / 100)).
وأختم الجواب بما رواه مسلم في صحيحه : عن أبي هريرة : عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله).( صحيح مسلم 1/5 ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي - (4 / 2001) 69 - ( 2588 ).
وفي رواية بلفظ : "و لا عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزا".( صحيح ابن خزيمة - (4 / 97) 2438)
وفي رواية أخرى : (ولا يعفو عبد عن مظلمة إلا زاده الله بها عزا يوم القيامة).( صحيح الترغيب والترهيب المنذري الألباني - (1 / 199).
والله أعلم.

فهرس الأسئلة