رُكـْنُ الفـتْـوَى

السؤال 59:

هل يبيح الإسلام الاضراب عن الطعام، وهل يجوز أن تفوق مدة الإضراب عن الطعام فترة الصيام (من الفجر إلى غروب الشمس).

جواب الدكتور محمد الخرشافي :

خلق الله الخلق، وجعل لهم حياة يحيونها على وجه هذه الأرض بمقادير، وجعل لكل نفس فيها أجلها الذي أجله لها، واستودع فيهم الروح، وأمرهم بالمحافظة على الصحة، وأباح لهم الطيبات من الرزق ليحافظوا عليها، وأمرهم بطاعته والسعي لتحصيل مرضاته، ونهاهم عن كل ما يوصل الضرر لأجسامهم أو عقولهم لئلا يضعفوا أو يتضرروا أو يفقدوا عقولهم، وحرم عليهم كل ما يلحق الضرر بالبدن من مطعم ومشرب، وتوعد من تسبب في قتل نفسه أشد وعيد قال الله تعالى: "وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30)" [النساء: 29، 30].

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ".

وروى البخاري في صحيحه، في كتاب أحاديث الأنبياء من حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح، فجزع، فأخذ سكينا فحز بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله تعالى : بادرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة".

وحفظ النفس أحد الأمور الخمسة التي أجمعت الأمة على الحفاظ عليها وهي :

  1. حفظ الدين .
  2. حفظ النفس .
  3. حفظ العقل .
  4. حفظ النسل .
  5. حفظ المال .

وجاء في أحكام القرآن للجصاص: من امتنع عن المباح كالطعام والشراب حتى مات كان قاتلاً لنفسه متلفاً لها. أ.هـ

وكل ما يسبب هلاك النفس فهو منهي عنه نهي تحريم، والامتناع عن الأكل والشرب إذا كان مؤديا إلى الموت فلا شك في حرمته.

أما إذا كان وسيلة لانتزاع حق من الحقوق، لكن بشرط ألا يكون مؤديا للموت على الإطلاق، وذلك لمدة لا تؤثر على صاحبها ولا تلحق به ضررا، ويكون على يقين من أنه لن يعرض نفسه للموت في تلك المدة المحدودة، فهذا مما يعتريه حكم الجواز؛ لأن وسائل استخلاص الحقوق بما لا يكون سببا في محرم مطلوب شرعا.

أما بشأن تحديد المدة الزمنية للإضراب عن الطعام وهل يجوز أن تتعدى من الفجر إلى المغرب، فالجواب أنه لا علاقة بين المدة الزمنية للإضراب وفترة الصوم، لأن الصيام عبادة لله عز وجل؛ وهي إما مفروضة كما في شهر رمضان، أو تطوع كما في غيره من شهور السنة، ويبقى الضابط في ذلك هو قوة الاحتمال عند هذا المضرب، والتيقن من عدم إلحاق الضرر بصحته الجسدية أو النفسية.

و بالمناسبة لا يجوز الجمع بين نية الإضراب عن الطعام و نية الصيام، فالله سبحانه وتعالى يقول : (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم؛ فهو لي وأنا أجزي به) [حديث قدسي أخرجه البخاري ومسلم] . ثم أجر الصيام عظيم حتى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي أمامة : (عليك بالصوم فإنه لا عدل له) [رواه ابن خزيمة في صحيحه والحاكم في مستدركه]. ومعنى الحديث أنه لا يساويه شيء في الثواب.

وينبغي أن يعلم أن المسلمين في تاريخهم الطويل لم يعرفوا هذه الوسيلة للضغط على من سجنوهم ظلما وعدوانا إلا بالاختلاط بغيرهم وتقليدهم فيما يفعلون ويذرون.

ونسأل الله السلامة للأمة الإسلامية من ويلات التقليد للغرب في الصغيرة و الكبيرة، وفي سائر أمور الحياة.

فهرس الأسئلة