رُكـْنُ الفـتْـوَى

السؤال 60:

يقول صاحب السؤال (دكتور) : هل يجوز لطبيب النساء إسقاط حمل المرأة البغي قبل نفخ الروح؟

جواب الدكتور محمد الخرشافي :

مقدمة : نظرة الإسلام إلى النسل

خلق الله ا لإنسان من ذكر وأنثى لغاية محددة؛ يقول سبحانه وتعالى : "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) " [الذاريات: 56].

ولكي تستمر عبادة الله على وجه الأرض خلق الزوجين الذكر والأنثى، وأرسل إلى الإنسان من يقوم بإرشاده وتوجيهه ـ من بني جنسه ـ الوجهة الصالحة لتستقيم حياته ويسلم توحيده لله عز وجل؛ فلا يكون فيه شائبة شرك أو إلحاد.

وحتى تتحقق هذه الغاية شرع الله سبحانه وتعالى الزواج بين الذكر والأنثى ليستمر النسل ويتحقق الاستخلاف واستعمار الأرض ببني آدم؛ فتستمر عبادة الله على وجه الأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.

وقد رغب رسول الله صلى الله عليه وسلم الشباب في الزواج إذا كانت لهم القدرة على القيام بأعباء الأسرة؛ روى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء).

وروى ابن حبان في صحيحه [ح:4028] عن أنس بن مالك أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالباءة، وينهى عن التبتل نهيا شديدا، ويقول : "تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر الأنبياء يوم القيامة".

فتكثير نسل المسلمين مطلوب شرعا، والمسلمون موقنون بأن الله هو الرزاق، وبأن الرزق بيده عز وجل، لكن مع اتخاذ الأسباب لاكتسابه؛ لأن الحياة الدنيا مبنية على اتخاذ الأسباب مع التوكل على الله سبحانه وتعالى.

وشريعة الإسلام لا تبيح للمسلم الإقدام على تحديد النسل خشية الفقر والحاجة؛ قال تعالى : "قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)" [الأنعام: 151].

ويقول عز وجل : "وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31)" [الإسراء: 31].

والروح الإنسانية لها عزة ومكانة في الإسلام؛ ولا يجوز إهدارها لأي سبب من الأسباب إلا بحقها، ولما وجد الإسلام بعض العادات السيئة في طائفة من العرب تنتهك حُرمة روح الإنسان؛ فتقوم بإهدارها بعد وجودها حارب تلك العادة محاربة لا هوادة فيها؛ قال تعالى : "وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9)" [التكوير: 8، 9].( والوأد : دفن البنت وهي حية، وكانت بعض قبائل العرب تفعله خشية الإملاق، وربما فعلوه خوف العار)

وهكذا حرم الله الوأد سواء كان دافعه الخشية من العار أو من الفقر أو من غيرهما.

بل إن بعض الصحابة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل فقال عليه الصلاة و السلام : (ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِىُّ). رواه مسلم في صحيحه.

ومسألة الإجهاض الأصل فيها التحريم، لأنه إذا تم تلقيح الحيوان المنوي من الرجل لبويضة الأنثى فتلك أولى المراحل لإيجاد نفس إنسانية جديدة في رحم هذه الأنثى. والله سبحانه وتعالى يشير إلى مراحل خلق النفس الإنسانية : فالمرحلة الأولى : من خلق الإنسان : خلقه من طين وهذه الأصل فيها أنها كانت لآدم عليه الصلاة والسلام، ثم خلق حواء منه؛ قال تعالى : "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)" [النساء: 1].

ويقول سبحانه : "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)" [الحجرات: 13].

وقد ذكر الله مراحل الخلق بصفة عامة في قوله عز وجل : "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)" [المؤمنون: 12 - 14]

وبعض العلماء تساهلوا في حكم الإجهاض وإنما مجمل أدلتهم تعود إلى :

الأمر الأول : قياسهم الإجهاض على العزل.

الأمر الثاني : أن هذه النفس لم توجد بعد.

الأمر الثالث : أنه بعد الأربعين الثالثة يحرم الإجهاض، وقبلها يمكن التجاوز فيه.

وقد أجيب عن هذه الأمور بأجوبة :

ففي الشبهة الأولى قاسوا الإجهاض على العزل، وهذا قياس فاسد رده كثير من العلماء؛ فهذا أبو حامد الغزالي، يقول :

"وليس هذا ـ أي العزل ـ كالإجهاض والوأد لأن ذلك جناية على موجود حاصل، وله أيضا مراتب؛ وأول مراتب الوجود أن تقع النطفة في الرحم وتختلط بماء المرأة وتستعد لقبول الحياة، وإفساد ذلك جناية؛ فإن صارت مضغة وعلقة كانت الجناية أفحش، وإن نفخ فيه الروح واستوت الخلقة ازدادت الجناية تفاحشا، ومنتهى التفاحش في الجناية بعد الانفصال حيا". [إحياء علوم الدين : 2 /58].

أما الحافظ ابن رجب الحنبلي فيقول في رده هذا القياس :

(وقد رخص طائفةٌ مِنَ الفقهاء للمرأةِ في إسقاط ما في بطنها مالم يُنفخ فيه الرُّوحُ، وجعلوه كالعزلِ، وهو قولٌ ضعيفٌ ؛ لأنَّ الجنين وَلدٌ انعقدَ، وربما تصوَّر، وفي العزل لم يُوجَدْ ولدٌ بالكُلِّيَّةِ).

وبهذا يتبين فساد هذا القياس بما ذكره العلامتان الغزالي وابن رجب.

والجواب عن الشبهة الثانية : أن هذه النفس لم توجد بعد.

الصواب أن يقال إن هذه النفس موجودة ولكنها في مرحلة من مراحلها؛ إذ بعلوق ماء الرجل ببويضة الأنثى تكون المرحلة الأولى من مراحل التكوين، وبدون هذه المرحلة لن يتكون هذا الجنين، وهذه المرحلة قد وجدت بالفعل كما تقدم، فإذا قالوا إنها غير موجودة فهي مغالطة ليبنوا على تلك المغالطة نتيجة؛ كمن أتى بمقدمة فاسدة ليبني عليها حكما؛ والحكم المبني على مقدمة فاسدة فاسد بدوره ـ كما يقول المناطقة ـ فالمرحلة الأولى موجودة وهي تلقيح الحيوان المنوي لبويضة الأنثى، وإذا تمت المرحلة الأولى، فالتي تلوها هي المرحلة الثانية، وهي العلقة، ثم المرحلة الثالثة وهي المضغة...وإذا كان الله قد قدر لهذه النفس أن تخرج إلى الحياة فإن هذه المراحل تطوى مرحلة مرحلة ليكتمل النمو وتخرج إلى الوجود؛ قال تعالى : "ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)" [المؤمنون: 13، 14].

والشريعة الإسلامية تعتبر ما لا يتم الواجب إلا به واجبا، كما أنها تعتبر ما يكون سببا لمعصية من المعاصي محرما، وباب اعتبار المآلات في الشريعة باب كبير ؛ ومن درس السيرة النبوية وأحكام الشريعة الإسلامية وجد حيزه حيزا يدخل في كثير من الأحكام الشرعية :

وأقسام اعتبار المآلات في الشريعة منه القولي، ومنه الفعلي، ومنه أبواب في أصول الشريعة، ولو أردتُ تفصيل هذا الباب لخرجت عن موضوع السؤال؛ ولكني أشير إليه إشارات فقط :

ـ روى البخاري ومسلم عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رضى الله عنهما أنه قَالَ : كُنَّا فِى غَزَاةٍ؛ فَكَسَعَ (كسع : ضرب دبره بيده) رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ؛ فَقَالَ الأَنْصَارِىُّ : يَا لَلأَنْصَارِ. وَقَالَ الْمُهَاجِرِىُّ : يَا لَلْمُهَاجِرِينَ. فَسَمِعَ ذَاكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : ("مَا بَالُ دَعْوَى جَاهِلِيَّةٍ"؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ. فَقَالَ : ("دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ"). فَسَمِعَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَىٍّ فَقَالَ : فَعَلُوهَا، أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ. فَبَلَغَ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم؛ فَقَامَ عُمَرُ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِى أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم؛ "دَعْهُ؛ لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ").

والشاهد من هذا الحديث أن المنافق ابن أبي قال : " وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ ". ويقصد أنه هو الأعز ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأذل، ـ وحاشاه صلى الله عليه وسلم من ذلك ـ وفي هذا المنافق وفي أمثاله نزل قوله عز وجل : "يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8)" [المنافقون: 8].

وهذا الذي يقول هذا في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحق القتل قطعا، ولكن بماذا قابل رسول الله صلى الله عليه وسلم قول عمر : "يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِى أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ". قال له : "دَعْهُ؛ لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ".

فهو وإن استحق القتل، لو قتل لاستغل المنافقون ذلك وادعوا أن محمدا يقتل أصحابه حتى ينفروا الناس من اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم. لأن هذا المنافق كان يصلي مع رسول الله في المسجد، وكان يخرج معه للقتال، فظاهر أمره أنه مسلم.

والدارس لأصول الأدلة الشرعية يجد بابا من أبوابها هو باب سد الذرائع؛ تُستخلص بواسطته أحكام شرعية كثيرة.

ثم إن الشريعة الإسلامية تعتبر المآلات في الأحكام الشرعية؛ وعلى سبيل المثال : فالمحرم إذا نَفَّــرَ نعامة عن بيضها التي كانت تحضنه، ففسد ذلك البيض؛ فعليه الضمان والجزاء، فإن لم يكن محرما ضمن فقط.

والجواب عن الأمر الثالث أنه جاء في حديث عبد الله بن مسعود عند الإمام مسلم في صحيحه أنه قال : (سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال : يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول : يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك. ثم يقول : يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص). [صحيح مسلم 4 /2037].

وعند البخاري في صحيحه [7454] وكذا عند مسلم :عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ - رضى الله عنه - حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهْوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ " إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَهُ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَهُ، ثُمَّ يُبْعَثُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيُؤْذَنُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِىٌّ أَمْ سَعِيدٌ ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ...".

وهذان الحديثان من الأحاديث الصحيحة، وبعض الروايات فيها تفصيل آخر، في الحديث الأول بيان لبدء التصوير في الجنين وخلق السمع والبصر والجلد واللحم والعظام وهو بعد ثنتين وأربعين ليلة.

أما الحديث الثاني فإنما فيه بيان المراحل : نطفة، علقة، مضغة، زرع الروح...

فهل يعفى عن مرحلة التصوير وتكوين السمع والبصر والعظام... ويتمسك بمرحلة خلق الروح؟

والذي يجب أن يسكن إليه أن أولى مراحل الخلق هي تلقيح الحيوان المنوي لبويضة الأنثى؛ فمن ثم تبدأ حُرمة هذا الكائن في رحم المرأة.

قصة المرأة الغامدية

روى الإمام مسلم في صحيحه وأبو عوانة في مستخرجه والبيهقي في سننه وأحمد في مسنده عن بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه حديث ماعز الأسلمي وفيه : (فجاءت الغامدية؛ فقالت : يا رسول الله إني قد زنيت؛ فطهرني، وإنه ردها، فلما كان الغد قالت : يا رسول الله لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزا؛ فو الله إني لحبلى. قال : "إِمَّــا لا؛ فاذهبي حتى تلدي".

فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة؛ قالت : هذا قد وَلَــــدْتُــه قال : "اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه".

فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز؛ فقالت : هذا يا نبي الله قد فطمته، وقد أكل الطعام. فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فرجمت).

عناصر قصة الغامدية

الحمل من الزنا : المرأة زنت وهي حامل من الزنا.

الإقرار : تقر المرأة بأن حملها من الزنا.

المرأة تطلب تنفيذ الحد عليها : تطلب تنفيد الحد عليها لتطهر من تبعة الزنا بين يدي الله عز وجل.

حكم الشريعة الإسلامية : جريمة الزنا بالنسبة للمحصن : الرجم حتى الموت.

الأسئلة المعينة على فهم النازلة

ـ هل سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرحلة التي فيها حملها؟

الجواب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسأل عن ذلك، ولو كان له أثر في الحكم لسأل عنه.

ـ هل تعرف المرأة ما ينتظرها من الحكم ؟

الجواب : نعم تعرف حكم الله بدليل قولها : " لعلك أن تردني كما رددت ماعزا؛ فو الله إني لحبلى".

ـ لماذا لم ينفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم عليها مباشرة بعد الإقرار؟

الجواب : لحُرمة الجنين الذي في بطنها، أو إن شئت قلت : لأن في تنفيذ الحكم عليها قتلها رجما، وهذا له مانع يمنعه وهو أن ما في بطنها معصوم الدم، لا يحل قتله.

ـ لماذا لم ينفذ عليها حكم الرجم بعدما وولدت الولد وجاءت به رسول الله صلى الله عليه وسلم في خرقة؟

الجواب : لأن هذا الولد له حق الرضاعة، والأصل في الرضاعة أنها للأم إلا أن يكون مانع من ذلك، والرضاعة حتى الفطام حق من حقوقه، فلو رجمت أمه لضاع حقه هذا، ولا يجوز أن يؤخذ الولد بجريرة أمه؛ فيحرم من حقه المستحق له.

ـ لماذا لم يتعرض الرسول صلى الله عليه وسلم لمسألة الإجهاض للغامدية؟

الجواب : لو كان الإجهاض هو الحكم الشرعي لهذه النازلة في مرحلة معينة من الحمل لسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هي مدة الحمل؟ حتى يفرق بين الأحكام بالنسبة للمراحل، لكنه عليه لصلاة والسلام لم يسال عن ذلك؛ فدل عدم سؤاله أن الحكم واحد بالنسبة لهذه المراحل، فهي لم تذكر مرحلة من المراحل، وإنما قالت هي حبلى، ومن المعلوم أن بداية الحمل تكون من اللقاح.

وعند الفقهاء قاعدة تقول : لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.

ثم من المعروف في رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إذا سئل عن أمر أجاب عنه، وإن كان السائل لم يسأل عن أمر متعلق بنازلته ولكنه فيه فائدة له أضافه إلى الجواب، وهذا معروف عند العلماء عامة ـ وشراح الحديث خاصة ـ ب"جواب الحكيم"؛ ومن أمثلته : قول بعض الصحابة : "إنا نركبُ البحر ويكونُ معنا القليلُ من الماء فإن توضئنا به عطشنا أفنتوضأُ من ماء البحر؟ "

فمن الممكن أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم لهم "نعم" وينتهي الجواب.

لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاب بقوله : "هو الطهور ماؤه الحل ميتته".

فالقسم الأول من الجواب إجابة عن السؤال وهو قوله عليه الصلاة و السلام : "هو الطهور ماؤه". فهم ما سألوا عن ميتة البحر، ولكن السائلين كما يتعرضون للعطش يتعرضون للجوع؛ فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم عن سؤال لم يسألوا عنه لأنه يفيدهم وهم في حاجة إلى معرفة الحكم الشرعي فيه وهو ميتة البحر.

ـ الا يكون ولد الزنا شؤما بالنسبة للمجتمع؟

الجواب : جريمة الزنا جريمة كبيرة، وكل ما كان فيه حد شرعي يعتبر من الكبائر، لكن هذا بالنسبة للزاني والزانية. أما الولد فلا ذنب له، وهو مسلم من أبناء المسلمين يجب له من حسن التربية والرعاية ما ينشئه مسلما صالحا ومستقيما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه" وما الفطرة إلا فطرة الإسلام، ولا يجوز أن يعير بأمه أو أبيه، فتلك جريرة يحاسب عليها من ارتكبها، أما هو فيقال فيه : "كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38)" [المدثر: 38].

ـ ألا يقال في مثل هذه الصورة ـ صورة الحمل من زنا ـ تتخلص منه هذه المرأة بالإجهاض فيكون ذلك أسلم لها من الفضيحة، وتتوب إلى الله بعد ذلك؟

الجواب : لا يغسل الدم بدم؛ فإسقاط هذا الجنين من بطنها قتل له، والتوبة لا تكون بجريمة على جريمة.

ـ السائل عن الحكم في هذه النازلة طبيب؛ فهل سؤاله أو سؤال من وقعت له واحد، أم هناك فرق بين سؤاله وسؤال من وقعت له النازلة بالفعل؟

الجواب : الأصل أن يسأل المعني بالأمر، ولا ضير في سؤال غيره وخاصة أن طائفة من الأطباء يمارسون عملية الإجهاض دون خوف ولا رقابة، وسؤال هذا الطبيب يدل على تحريه للحكم الشرعي في الموضوع فهو مما يشكر له.

أقول وبالإضافة إلى ذلك : إن هذه المهن؛ مهنة الطب وغيرها من المهن ـ التي لها علاقة بصحة الإنسان ـ يجب أن تكون تحت الرقابة، والأصل أن يكون على هذه المهن رقابة شرعية؛ من هيأة شرعية : تبيح المباح، وتمنع الممنوع؛ فلا تُجرى العمليات الجراحية أو غيرها مما له علاقة بالصحة إلا بعد أخذ حكم الشرع في ذلك، وهذا الباب معروف في الفقه الإسلامي ضمن ما يسمى باب الحسبة.

ما يستنبط من قواعد من نازلة الغامدية

ـ ولد الزنا له حُرمته وحقه في الحياة، وهو مكفول الحقوق التي لغيره التي تتعلق بالنفس الإنسانية، بل بالنفس المسلمة؛ من مطعم ومشرب مسكن وحسن تربية وتعليم وغيره...

ـ لا يؤاخذ الولد بما جُنِي عليه به؛ فكونه ولد زنا هذا باعتبار والديه الذين تسببا في ذلك، أما هو فلا يؤاخذ بهذه الجناية؛ قال تعالى : "وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" [الأنعام: 164].

ومن الثابت في الفقه قولهم : المرء لا يؤاخذ بجريرة غيره، وقبل هذا وذاك يقول الله تعالى : "قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25)" [سبأ: 25].

والله أعلم.

فهرس الأسئلة