رُكـْنُ الفـتْـوَى

السؤال 63:

دخلت إلى المسجد مباشرة بعد انتهاء آذان الفجر خلال شهر رمضان، فصليت ركعتي "تحية المسجد". وعندما هممت بأن أصلي ركعتي الفجر، منعني أحد المصلين من ذلك موضحا أنه إذا تم الدخول إلى المسجد بعد آذان الفجر فإن تحية المسجد تسقط وتجب فقط صلاة ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح جماعة. وعندما طلبت منه الدليل، قال لي: لا أتوفر الآن عليه. فأينا على صواب؟
وأين كان رسول الله يصلي صلاة الفجر، هل في بيته أم في المسجد؟

جواب الدكتور محمد الخرشافي :

أين أصلي ركعتي الفجر؟ إذا دخل المرء المسجد وقت صلاة الصبح ، فعنده حالات :

الحالة الأولى : إذا كان صلى رغيبة الفجر في بيته ـ وهذه هي السنة ـ فإن دخل المسجد صلى تحية المسجد، ولا يزد عليها تطوعا.

الحالة الثانية : أنه لم يصل رغيبة الفجر في بيته، فهذا يصلي رغيبة الفجر فقط، وهي تجزئه عن تحية المسجد.

الحالة الثالثة : أنه لم يصل رغيبة الفجر في البيت، ولكنه بمجرد دخوله أقيمت الصلاة. في هذه الحالة لا يجوز له أن يصلي راتبة أو تحية المسجد بل يجب عليه أن يدخل مع الإمام في الصلاة الحاضرة لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " أخرجه الإمام مسلم في صحيحه .

فإذا فرغ من الصلاة مع الجماعة هو مخير إن شاء صلى الراتبة بعد الصلاة، وإن شاء أخرها إلى ما بعد ارتفاع الشمس.

والدليل على صلاة الرسول صلى الله عليه و سلم لركعتي الفجر في السفر: ما ثبت عن أبي مريم ؛ قال :" كنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في سفر، فأسرينا ليلة، فلما كان في وجه الصبح ؛ نزل رسول الله صلى الله عليه و سلم فنام ونام الناس ، فلم نستيقظ إلا بالشمس قد طلعت علينا ، فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم المؤذن فأذن ، ثم صلى الركعتين قبل الفجر ، ثم أمره فأقام ، فصلى بالناس ، ثم حدثنا بما هو كائن حتى تقوم الساعة" .

والحديث يدل على أنه صلى الله عليه و سلم كان يصلي صلاة راتبة الفجر مع صلاة الفجر في السفر .

كما يدل على مشروعية صلاتها عند فوات صلاة الفجر عن وقتها ، وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رغيبة الفجر قبل أن يصلي فريضة الفجر، ومن لم يصل هذه الرغيبة قبل فريضة الصبح له أن يقضيها مباشرة بعد صلاة الصبح، وله أن يؤخرها إلى وقت حل النافلة، لكن إن خشي على نفسه أن ينساها فالأولى له التعجيل بقضائها.

ثانياً : وصفها وفضلها :

راتبة الفجر ركعتان، تصليان قبل صلاة الفجر، وقد ورد في فضلها أحاديث منها :

أ) عن عائشة عن النبي صلى الله عليه و سلم ؛ قال: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها". [أخرجه مسلم] وفي رواية الصنعاني : (هما خير من الدنيا جميعا). ..

والحديث يدل على استحباب ركعتي الفجر والترغيب فيهما.

ب) عن عائشة رضي الله عنها ؛ قالت : " لم يكن النبي صلى الله عليه و سلم على شيء من النوافل أشد منه تعاهداً على ركعتي الفجر". أخرجه الشيخان .

والحديث يدل على تأكيد المحافظة على ركعتي الفجر لشدة تعاهده عليه الصلاة و السلام لهما.

وقد تبين بالحديثين السابقين وغيرها ما اجتمع في هذه الراتبة: القول منه صلى الله عليه وسلم في الترغيب فيها ، والفعل منه صلى الله عليه و سلم في المحافظة عليها .

كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي رغيبة الفجر في بيته، هذا هو شأنه العام، إلا أن يكون مسافرا، وشأن هاته الرغيبة شأن سائر صلوات التطوع، قال صلى الله عليه وسلم روى البخاري في صحيحه [ح: 7290] عن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم قال : "إِنَّ أَفْضَلَ صَلاَةِ الْمَرْءِ فِى بَيْتِهِ ، إِلاَّ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ " .

وَيُسْتَحَبُّ فِعْلُ السُّنَنِ فِي الْبَيْتِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ فِي بَيْتِهِ" ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد : مَا رَأَيْت أَحْمَدَ رَكَعَهُمَا ، يَعْنِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ، فِي الْمَسْجِدِ قَطُّ ، إنَّمَا كَانَ يَخْرُجُ فَيَقْعُدُ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُقَامَ الصَّلَاةُ ".

وقال ابن قدامة المقدسي في كتاب المغني : "وَقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ أَيْنَ يُصَلَّيَانِ ؟ قَالَ : فِي الْمَسْجِدِ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا الرَّكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ فَفِي بَيْتِهِ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ".

قوله : "لا تجعلوا بيوتكم قبورا" أي لا تجعلوها كالقبور خالية من العبادة وذكر الله تعالى؛ لأن البيوت إن لم يعبد الله فيها كانت شبيهة بالقبور.

وبعض الناس يصلون رغيبة الفجر في بيوتهم ـ وحسنا فعلوا ـ ثم يأتون إلى المسجد ويقفون في بابه؛ فلا يدخلونه حتى تقام الصلاة، وهم يتحرجون من الدخول إلى المسجد، فهم بين نهي وأمر : بين النهي الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد الصبح إلا ركعتي الفجر، وبين الأمر بصلاة تحية المسجد.

ولأهل التحقيق في هذه المسألة قول مرجح على غيره وهو أن النهي عن صلاة النوافل مطلقا، لكن النوافل ذات السبب فلا تكره، فلا يقف هؤلاء في أبواب المساجد، بل عليهم أن يدخلوها ويصلوا تحية المسجد، لكن لا يجوز لهم أن يصلوا غيرها حتى تقام الصلاة لفريضة الصبح.

والله أعلم.

فهرس الأسئلة