رُكـْنُ الفـتْـوَى

السؤال 64:

ما هو عدد وجبات الأكل في شهر رمضان؟

جواب الدكتور محمد الخرشافي :

الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من حيث عدد الوجبات في رمضان : أكلتان : أكلة السحور، وأكلة الفطور:

أكلة السحور :

السَّحُورُ سمي بالسحور لأنه أكلة في وقت السحر، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثُ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَال : تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً. (رواه البخاري في صحيحه في كتاب الصوم).

استحباب السحور

ومن أحكام الصيام : استحباب السحور واستحباب تأخيره، قال الله تعالى : "وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل" [البقرة: 187].

وثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنان: بلال وابن أم مكتوم الأعمى, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم.

قال القاسم بن محمد أحد رواة الحديث:" ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا، ويرقى هذا" .

ومقصود القاسم بن محمد ـ وهو ابن أخي عائشة رضي الله عنها- وهو القاسم بن محمد بن أبي بكر مقصوده من قوله: "ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا، ويرقى هذا" المبالغة في قصر المدة التي بينهما بدليل أن الحديث صريح في أن بلالا يؤذن بليل قبل الصبح، ثم يؤذن بعده ابن أم مكتوم إذا طلع الصبح, وقد جاء تحديد المدة بين السحور والآذان في حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه وأنها قدر خمسين آية، وهي مع الترتيل كافية لطلوع الفجر، ففي الصحيحين عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: تسحَّرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قام إلى الصلاة, قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية .

وهي بتوقيت الساعة تقريبا : نحو عشرة دقائق.

مدح السحور :

وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "نعم سحور المؤمن التمر" (رواه أبو داود)

عن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر" (رواه مسلم)

ومن أعظم بركات السحور أن الله سبحانه وملائكته يصلون على المتسحرين، فعن أبي سعيد الخدري قال : "قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : السحور أكله بركة، فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين". (رواه أحمد في مسنده).

وكان صلى الله عليه وسلم يسمى السحور بالغداء المبارك : عن عرباض بن سارية قال: "دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السحور في رمضان فقال : هلم إلى هذا الغداء المبارك" (رواه أبو داود وصححه الألباني).

ومن الأدلة على استحباب السحور, واستحباب تأخيره: ما ثبت في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تسحروا فإن في السَّحُور بركة.

تأخيره السحور :

عن أبي عطية قال : قلت لعائشة فينا رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أحدهما يعجل الإفطار ويؤخر السحور، والآخر يؤخر الإفطار ويعجل السحور، قالت : أيهما الذي يعجل الإفطار ويؤخر السحور؟ قلت : عبد الله بن مسعود. قالت : هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع. (رواه النسائى وصححه الألباني).

سن لنا الحبيب صلى الله عليه وسلم تأخير السحور لأنه يقوي على الصيام ويخفف المشقة، ولأنه يتضمن الاستيقاظ والذكر والدعاء في ذلك الوقت الشريف وقت تنزل الرحمات والنفحات وفيه التأهب لصلاة الفجر.

أكلة الفطور : تعجيل الفطور

بين لنا الحبيب صلى الله عليه وسلم وقت انقضاء الصوم فقال : "إذا أقبل الليل وأدبر النهار، وغابت الشمس، فقد أفطر الصائم" (رواه مسلم).

عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله : "أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا" (رواه أحمد).

وروى البخاري ومسلم من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر.

وفي حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر، إن اليهود والنصارى يؤخرون". رواه أبو داود وابن حبان وابن خزيمة والحاكم في المستدرك.

فالأمة بخير ما حافظت على سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأست برسول الله عليه الصلاة والسلام، فسبيل الأمة هو سبيل الرشاد، وهي الأمة القدوة، فهي تابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتبوعة من سائر الأمم؛ وما كانت لتكون ذيلا لغيرها في الشرق أو الغرب، وما كانت لتكون ظلاً لكل ناعق، فهي الأمة القائدة؛ وما كانت لها هذه المزية إلا لاتباعها هدي الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم.

ويستحب للصائم إذا أفطر أن يفطر على رطبات فإن لم يجد فعلى تمرات، فإن لم يجد فعلى حسوات من الماء، لحديث أنس قال : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلى، فإن لم تكن رطبات فتمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء"[رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي].

وفي رواية جاء التنصيص على صيغة التقليل : "تُميرات".

وهذا الفطور يسبق صلاة المغرب كما في الحديث.

ماذا يقول عند الإفطار؟

عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه قال : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال : ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله" (رواه أبو داود).

عن معاذ بن زهرة أنه بلغه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان إذا أفطر قال: "اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت". (رواه أبو داود)

هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الطعام :

وبعد صلاة المغرب يأكل صلى الله عليه وسلم ما تيسر له من الطعام لأن من هديه عليه الصلاة والسلام ألا يردُّ موجوداً، ولا يتكلف مفقوداً، فما قُرِّبَ إليه شيءٌ من الطيبات إلا أكله، إلا أن تعافَه نفسُه، فيتركَه من غير تحريم، وما عاب طعاماً قطُّ، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه. [زاد المعاد في هدي خير العباد ابن القيم1 /147].

هل تعد أكلة نصف الليل سحورا ؟

طائفة من الناس يتناولون الأكل نصف الليل وينامون بعد ذلك، فمن حيث اللغة لا يسمى هذا الأكل سحورا، لكن المالكية والشافعية قالوا : إن أول وقت السحور هو نصف الليل، وخالفهم في ذلك الحنفية والحنابلة مستدلين على ذلك بحديث زيد بن ثابت رضي الله عنه : (تسحَّرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قام إلى الصلاة, قلت : كم كان بين الآذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية). وقالوا إن أول وقت السحور يبتدئ من سدس الليل الآخر.

والذي يترجح من هذين القولين هو ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة لموافقته لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لكن يبقى أن وجبة نصف الليل هاته ـ التي يتناول هؤلاء ـ هل هي وجبة الإفطار أم أنها وجبة ثالثة، فإذا كانت وجبة ثالثة، فقد يكون هذا من باب إدخال الطعام على الطعام، وفيه ما فيه من الإضرار بالصحة، ثم إنه ينافي حكمة من حكم الصيام في هذا الشهر الكريم؛ فما كان من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه التخمة في الأكل في هذا الشهر المبارك.

فقد روى ابن ماجة في سننه وابن حبان في صحيحه عن المقدام بن معدي كرب أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن ، حسبك يا ابن آدم لقيمات يقمن صلبك ، فإن كان لا بد فثلث طعام ، وثلث شراب ، وثلث نفس ".

ومن توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة : التقلل من الطعام قال عليه الصلاة و السلام : "المؤمنُ يأكل في مِعًى واحدٍ، والكافرُ يأكل في سبعة أمعاء" [أخرج البخاري ومسلم]

والمراد أنَّ المؤمن يأكلُ بأدبِ الشَّرع، فيأكل في مِعًى واحدٍ، والكافر يأكل بمقتضى الشَّهوة والشَّرَهِ والنَّهم ، فيأكلُ في سبعة أمعاء.

بل إنه صلى الله عليه وسلم قد بين حال المؤمنين بأنه مع تقللهم في المأكل يؤثرون على أنفسهم ويبقى من زادهم لغيرهم؛ فقال : "طعامُ الواحدِ يكفي الاثنين، وطعامُ الاثنين يكفي الثَّلاثة، وطعامُ الثلاثة يكفي الأربعة". أخرجه البخاري ومسلم.

قال بعض شراح الحديث : يؤخذ منه أن الكفاية تنشأ عن بركة الاجتماع، وأن الجمع كلما كثر ازدادت البركة.

والطبيب العربي الحارث بن كلدة يقول : "الذي قتل البرية، وأهلك السباع في البرية : إدخال الطعام على الطعام قبل الانهضام".

وقد يصاحب هذه العادة ـ الأكل في نصف الليل ـ عدم الاستيقاظ لصلاة الصبح، فإذا كان كذلك ولم يصل الصبح إلا بعد طلوع الشمس، فمن فعل ذلك قد أضاع فريضة صلاة الصبح، ولعله أن يدخل في قوله تعالى: "فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59)" [مريم: 59]، وكذا في قوله عز وجل : "فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5)" [الماعون: 4، 5]؛ إذ المؤخر للصلاة عن وقتها متعمدا من غير عذر داخل في إضاعة الصلاة والسهو عنها؛ فله نصيب من هذا الوعيد الشديد الذي ترتعد له الفرائص، وتتزلزل له القلوب الحية.

والله أعلم.

فهرس الأسئلة