رُكـْنُ الفـتْـوَى

السؤال 69:

ما هي عقوبة المسلم الذي أفطر يوما في رمضان متعمدا وبدون عذر؟

جواب الدكتور محمد الخرشافي :

المسلم الذي يفطر في رمضان متعمدا، وليس له عذر، له حالتان:

الحالة الأولى : انتهاك حرمة رمضان بالجماع:

إذا جامع الصائم في نهار رمضان ترتبت عليه الأحكام التالية :

أولا : بَطَـل صيامه لذلك اليوم.

ثانيا : وجب عليه الإمساك بقية يومه ذاك.

ثالثا : عليه أن يتوب إلى الله، ويكثر من الاستغفار.

رابعا: عليه أن يقضي هذا اليوم الذي جامع فيه.

خامسا : عليه الكفارة.

والكفارة هي عتق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أن يصوم شهرين متتابعين، أطعم ستين مسكينا لكل مسكين نصف صاع من بر أو غيره من غالب قوت أهل البلد.

والذي لا يستطيع الصيام هو الذي لا يقدر عليه لمانع معتبر شرعا، وليس معناه أنه يشق عليه الصيام فقط؛ لأن المشقة حاصلة بهذا الصوم الذي في تتابع الصيام لمدة شهرين.

وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : (جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت وأهلكت، قال: "وما أهلكك؟" قال: وقعت على امرأتي في رمضان، فقال: "هل تجد ما تعتق به رقبة؟" قال: لا، قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟" قال: لا، قال : "فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟" قال: لا، ثم جلس فأُتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر، قال: "تصدق بهذا"، فقال : أعلى أفقر منا؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، قال : "اذهب فأطعمه أهلك"). [أخرجه البخاري، ومسلم ].

الحالة الثانية : انتهاك حرمة رمضان بالأكل أو الشرب بدون عذر ومتعمدا.

إذا أكل المسلم في نهار رمضان عامداً، ترتبت عليه الأحكام الأربعة الأولى السابقة، ولا تلزمه الكفارة.

هذا الذي ذهب إليه سعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، والحسن البصري، وجابر بن زيد، وعامر بن شراحيل الشعبي، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي وقتادة بن دعامة السدوسي، وحماد بن أبي سليمان، والشافعي وأحمد بن حنبل والإمام الخطابي وأهل الظاهر.

وذهب سفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهوية، وأبو حنيفة، ومالك بن أنس إلى أنه يلزمه كذلك الكفارة، وأنه لا فرق بين الذي انتهك حرمة الصيام بالجماع أو الأكل والشرب.

ومنشأ الخلاف بين الفريقين اختلافهما في تحقيق مناط الحكم؛ فمن استدل بحديث أبي هريرة : (جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت وأهلكت..) وتمسك بمنطوقه قال: إن الحديث يتناول حكم المنتهك لحرمة الصوم بالجماع؛ فهو نص في النازلة، ولا يتناول غيرها.

ومن عمم قال : إن في كل من الأكل والشرب والجماع انتهاك لحرمة الصيام ولا فرق بين انتهاكه بالجماع أو بالأكل والشرب؛ لأن الصيام إمساك عن الشهوتين معا، وكلاهما مفسد للصوم، وبأيهما تعمد الإفساد فقد وجبت عليه الكفارة.

ومن الأدلة التي يستند إليها القائلون بوجوب الكفارة الحديث الذي رواه أبو يعلى (ح:5725) : حدثنا سهل بن زنجلة الرازي، حدثنا الصباح بن محارب، عن هارون بن عنترة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر قال : جاء رجل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : إني أفطرت يوما من رمضان.

قال : من غير عذر ولا سفر ؟

قال : نعم قال : بئس ما صنعت !

قال : أجل؛ فما تأمرني ؟

قال : أعتق رقبة.

قال : والذي بعثك بالحق ما ملكت رقبة قط.

قال : فصم شهرين متتابعين .

قال : فلا أستطيع ذلك.

قال : فأطعم ستين مسكينا قال : والذي بعثك بالحق ما أشبع أهلي قال : فأتي النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ بمكتل فيه تمر فقال : تصدق بهذا على ستين مسكينا .

قال : إلى من أدفعه ؟

قال : إلى أفقر من تعلم.

قال : والذي بعثك بالحق ما بين قتريها أهل بيت أحوج منا.

قال : فتصدق به على عيالك).

وهذا الحديث رجاله ثقات غير أنه منقطع : حبيب بن أبي ثابت كثير الإرسال والتدليس وقد عنعن، وهو لم يدرك ابن عمر .

ومن طريق سهل بن زنجلة الرازي ـ بنفس السند المتقدم ـ رواه الطبراني في المعجم الأوسط وكذا في المعجم الكبير.

فالحديث تبعا لذلك لا يصل إلى درجة الصحة.

وعلى افتراض صحته فالحديث ليس دليلا على وجوب الكفارة على الذي أفطر في رمضان عن طريق الأكل أو الشرب لأن الألفاظ الواردة فيه : (جاء رجل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : إني أفطرت يوما من رمضان). وهذه العبارة عامة لا تفيد أنه أفطر بالجماع ولا أنه أفطر بالأكل والشرب، فقد يكون أفطر بالجماع وليس بالأكل والشرب، وموطن صحة الاستدلال بالحديث فيما إذا كان الفطر بالأكل والشرب منصوصا، وهذا ما لا يستطاع إثباته من لفظ الحديث، بل يحتمل أنه أفطر بالجماع، أو أن هذه الحادثة هي نفسها حادثة الأعرابي الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : (هلكت وأهلكت.... جامعت أهل في نهار رمضان..)، وإنما تصرف فيها أحد الرواة بالاختصار، وبالتالي لا تكون حجة في وجوب الكفارة على من أفطر بالأكل أو الشرب في نهار رمضان.

واعترض أصحاب القول بعدم وجوب الكفارة بأن قياس الآكل أو الشارب على المجامع قياس مع وجود الفارق، فإن الآكل أو الشارب إنما أفسد صومه فقط، أما المجامع فقد أفسد صومه وصوم من جامع، فباب تغليظ العقوبة فيه أولى.

كما قال أصحاب هذا القول ـ عدم وجوب الكفارة ـ بأنه لو صح القياس لكان قياس الآكل أو الشارب على من أفسد صومه عمدا بالاستقاء من باب أولى؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدا فعليه القضاء). والحديث رواه أبو داود وأحمد والدارقطني.

فكل من الذي أكل أو شرب في نهار رمضان عمدا أو استقاء فقد تعمد إفساد صومه، فلا يقاس هذا على الواطئ.

ثم إن أهل الفقه يقولون : العبرة في الكفارات بالنصوص وليس بالقياس؛ فكيف خولفت هذه القاعدة مع اعتمادها والاستدلال بها في نفي الكفارة على من لم يقع التنصيص على عقوبته، وكثيرا ما انتقلتم إلى التعزيرات لعدم ورود النص في ذلك.

قال الخطابي : وفي إسقاط أكثر العلماء الكفارة عن المستقيء عامدا دليل على أن لا كفارة على من أكل عامدا في نهار رمضان، لأن المستقيء مشبه بالآكل متعمدا.

والخلاصة أن أدلة من قال بعدم وجوب الكفارة على الذي أكل أو شرب مفسدا بذلك صيامه متعمدا أقوى وأصح.

ويستمسك بالأحكام الأربعة الأولى.

وأشير باختصار إلى أني اعتبرت هذا الذي أفطر يوما من رمضان متعمدا غير مستحل.

والله أعلم

فهرس الأسئلة