رُكـْنُ الفـتْـوَى

السؤال 70:

ما صحة حديث : يأتي الله يوم القيامة بمساجد الدنيا كأنها نجائب بيض، قوائمها من العنبر وأعناقها من الزعفران، ورؤوسها من المسك، وأزمتها من الزبرجد الأخضر، وقوامها المؤذنون فيها يقودونها، وأئمتها يسوقونها، وعمارها متعلقون بها فتجوز عرصات القيامة كالبرق الخاطف؛ فيقول أهل الموقف : هؤلاء ملائكة مقربون وأنبياء مرسلون فينادى : ما هؤلاء بملائكة ولا أنبياء ولكنهم أهل المساجد والمحافظون على الصلوات من أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم.

جواب الدكتور محمد الخرشافي :

هذا الحديث ذكره القرطبي في تفسيره عند تفسير قوله تعالى في سورة النور : " فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)" بقوله : "وقد روى الثعلبي بإسناده عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم".

ومن المعلوم أن الثعلبي هو : أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري (ت427هـ) وهو مشهور بتفسيره : "الكشف والبيان" وقد بحثت عن الحديث في كتابه هذا، فلم أجده به، فلعله ذكره في كتاب آخر له.

وله كذلك كتاب : "قتلى القرآن" ، وهو مؤلف طريف عرض فيه المؤلف قصصا روى أغلبها بإسناده عن سلف هذه الأمة فيمن قرأ القرآن وخشعت له جوارحه ؛ فتوفي متأثرا بذلك.

وقد حقق هذا الكتاب الدكتور ناصر بن محمد بن عثمان.

وله كتاب "العرائس في قصص الأنبياء".

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تفسير الثعلبي : "وتفسير الثعلبي في أحاديث موضوعة وأحاديث صحيحة، ومن الموضوع فيه الأحاديث التي في فضائل السور، سورة سورة".

["منهاج السنة" 7/311]، وقال ابن تيمية في موضع آخر من منهاج السنة [7/ 434] : "وكذلك أيضًا في كتب التفسير أشياء منقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أهل العلم بالحديث أنها كذب، مثل حديث فضائل سور القرآن الذي يذكره الثعلبي والواحدي في أول كل سورة".

لقد ساق الثعلبي كثيرا من الأحاديث الموضوعة على ألسنة الشيعة، فسوَّد بها كتابه دون أن يشير إلى وضعها واختلاقها. وفي هذا ما يدل عن أن الثعلبي لم يكن له باع في معرفة صحيح الأخبار من سقيمها.

والناظر في تفسيره يجد عددا لا يستهان به من الأحاديث الموضوعة، وقد جَرَّ على نفسه وعلى تفسيره بسبب نقل هذه الكثرة من الإسرائيليات، وعدم الدقة في اختيار الأحاديث اللوم المرير والنقد اللاذع من بعض العلماء الذين لاحظوا هذا العيب على تفسيره، فقال ابن تيمية في مقدمته في أصول التفسير: "والثعلبي هو نفسه كان فيه خير ودين، وكان حاطب ليل، ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع".

وقال أيضاً في فتاواه - وقد سئل عن بعض كتب التفسير ـ : "وأما الواحدي فإنه تلميذ الثعلبي، وهو أخبر منه بالعربية، لكن الثعلبي فيه سلامة من البدع وإن ذكرها تقليداً لغيره وتفسيره، وتفسير الواحدي البسيط ، والوسيط ، والوجيز فيها فوائد جليلة، وفيها غث كثير من المنقولات الباطلة وغيرها".

ومَن يقرأ تفسير الثعلبي يعلم أن ابن تيمية لم يتقوَّل عليه، ولم يصفه إلا بما هو فيه.

وممن تكلم على تفسيره محمد بن جعفر الكتاني في "الرسالة المستطرفة" عند الكلام عن الواحدي المفسِّر: "ولم يكن له ولا لشيخه الثعلبي كبير بضاعة في الحديث، بل في تفسيرهما - وخصوصاً الثعلبي - أحاديث موضوعة وقصص باطلة".

ويقول الدكتور محمد حسين الذهبي : "والحق أن الثعلبي رجل قليل البضاعة في الحديث، بل ولا أكون قاسياً عليه إذا قلت إنه لا يستطيع أن يميز الحديث الموضوع من غير الموضوع، وإلا لما روى في تفسيره أحاديث الشيعة الموضوعة على عليّ، وأهل البيت، وغيرها من الأحاديث التي اشتهر وضعها، وحَذَّرَ العلماء من روايتها".

وخلاصة الجواب عن الحديث المسؤول عنه : أن إعراض دواوين السنة عن إيراده، مع ما فيه من وصف هذه النجائب بما لم يأت في كتاب من الكتب المعتبرة في السنة، مع الإيغار في الغرابة ووصف قوائم هذه النجائب من العنبر والأعناق من الزعفران..... ثم إنه مناقض لما ثبت في النصوص الصحيحة في السنة النبوية في ذلك.

كل هذا دال على بطلان هذا الحديث.

والله أعلم.

فهرس الأسئلة