رُكـْنُ الفـتْـوَى

السؤال 74:

هل تتوجب النفقة على الولد العاق؟

جواب الدكتور محمد الخرشافي :

: إن الله سبحانه وتعالى جعل رعاية الحيوانات على صغارها في الغالب الأعم فترة غير طويلة، ومن الحيوانات ما يزداد قادرا على القيام بنفسه بعد مدة يسيرة من ولادته، ومنها ما تطول فترة اعتماده على والديه نسبيا، ولكن على العموم فهذه الفترة ليست طويلة، لكن الله سبحانه وتعالى خص الإنسان بطول فترة رعاية الوالدين لأولادهما حتى يتمكنا من الاعتماد على أنفسهم والقيام بنفس الدور لأولادهم بدورهم وكذلك حتى تستمر عجلة الحياة ولا يقع خلل في بقاء الإنسان على وجه هذه الأرض ليتحقق بذلك المقصد الأصلي من خلق المخلوقات العاقلة على وجه هذه لبسيطة : " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ " [سورة الذاريات: 56]. ثم إن من طبيعة التصرف في أمور الحياة ما جعل الإسلام مبناه على المشاحة، وفي هذه الأمور لا حرج في أن تشاكس وتناقص؛ وهذا شأن المعاملات المالية؛ لأن طبيعتها مبنية على حب الربح أكثر بالنسبة للبائع، وعلى حب شراء السلعة رخيصة بالنسبة للمشتري، وهذا التصرف من الطرفين البائع والمشتري تصرف يتوافق مع الطبيعة البشرية؛ يقول الله تعالى : " وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ " [سورة العاديات: 8]، وهذه المعاملة يحكمها ضابط أساس يتمثل في قوله صلى الله عليه سلم : "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام". ومنها ما جعل الإسلام مبناه على الملاطفة والمكايسة؛ ومن هذا القسم ما يتعلق بالنكاح؛ ولذا قال الله تعالى : " وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ " [البقرة: 237]، ومن المعلوم أن الآية تحكم ضابط العلاقة بين الزوجين حتى بعد فراق الزوج لزوجته. وهذا القسم الثاني منه كذلك حقوق الأبناء على الآباء؛ فقد تكون شديدا في المطالبة باستيفاء حقك ممن هو بعيد عنك؛ لكن هذه الحالة لا ينبغي أن تكون بين الأب وابنه؛ فهو في جميع الحالات منك وإليك؛ كما ورد في المثل العربي : يدُك منك ولو كانت شلاء.

ولذا فالأب مدعو لا إلى البحث هل له أن يوقف نفقته على ابنه العاق أم لا؟ بل عليه أن يعرف أسباب العقوق؛ فقد يكون هو المتسبب فيها، فكثير من الآباء والأمهات يؤثرن بعض البنين على بعض في الهبات والعطايا؛ فيتسبب ذلك في تضجر الأبناء الذي يؤثر عليهم؛ وبالتالي يكرهون هذا التصرف من الآباء؛ فيورث ذلك مع مرور الأيام نوعا من العقوق وغيره...

فإذا علم الأب أو الأم سبب العقوق عمل على اجتنابه لعل هذا الابن يرجع إلى رشده فيصير بارا بوالديه؛ فينقلب العقوق برورا...

وقد يكون العقوق من طيش الصغر؛ أو من دعاء من أحد الوالدين على الابن...

والخلاصة أن على الوالد أن يقوم بواجبه في النفقة على ولده ولو كان عاقا، عليه أن يؤدي ما عليه، ويدعو الله لولده العاق له برده إلى الطريق المستقيم، وبأن يجعله بارا، ويكثر من الدعاء له؛ لأن دعاء الوالدين لأبنائهما مستجاب، ولا يَدري هذا الوالد لعل ذلك العقوق من ولده يصير برورا؛ وتلك الإساءات من الابن العاق تصير بعد توبته استقامة وصلاحا؛ فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. والله أعلم

فهرس الأسئلة