رُكـْنُ الفـتْـوَى

السؤال 76:

يؤكد الأطباء أن مجموعة من الأمراض النفسية العضوية التي قد يستعصي علاجها، هي ناتجة عن صدمات اجتماعية أو اقتصادية أو طبيعية مفاجئة (وقانا الله عز وجل شرها). فهل يمكن الحديث في الإسلام عن منهج تربوي وقائي مضاد لتلك الصدمات؟

جواب الدكتور محمد الخرشافي :

نعم للإسلام منهج يقوي الصلة بالله عز وجل، ويجعله يتغلب على سائر الصدمات النفسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية..... ذلك أن المؤمن يعتقد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه؛ والإيمان بالقضاء والقدر أساس من أسس الإيمان عند المسلم، والمسلم إذ يؤمن بالقضاء والقدر يجعله يرضي بما قدره الله عليه؛ ولا يقول إلا ما يُـرضي الله سبحانه وتعالى، وما أصابه من مصيبة فإنه يحتسبها عند الله. روى ابن حبان في صحيحه (ح:2913) ــ وغيره ــ عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده وماله ونفسه حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة". وروى البخاري في صحيحه (ح:5640) عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها" . قال تعالى : " وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) " [البقرة: 155 - 157]. المؤمن يستعين على ما يصيبه من مصائب بأمرين هما : الصبر والصلاة؛ قال تعالى : " وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ " [آل عمران:146] . فإذا فعل ذلك كان من المحبوبين عند الله؛ قال تعالى : " وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ " [آل عمران:146]، ثم إن الله يتولى أموره وتكون معيته سبحانه وتعالى له بالحفظ مما يكره؛ قال عز وجل : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ " [البقرة:153] . ثم صاحب هذا المقام يُجْزَى من عند الله بالأجر والثواب الذي لا يحصيه مخلوق؛ قال تعالى : " إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (10) " [الزمر:10]. عقيدة المؤمن أن جميع ما أصابه مكتوب في اللوح المحفوظ من قبل أن يخلق الله الخليقة ويبرأ النسمة؛ قال الله عز وجل: " مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(22) لِكَيْلا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُواْ بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) " [الحديد:22،23] . إن هذه المصائب التي تصيب الإنسان إذا قابلها المؤمن بالصبر واحتسبها عند الله؛ فإن الله سبحانه وتعالى يجعل له ثوابين؛ ثوابا في الدنيا وثوابا في الآخرة : " مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11) " التغابن:11]. وما أجمل استحضار ما قاله ابن ناصر الدمشقي ــ رحمه الله ــ في ذلك :

سبحان من يبتلي أناسًا ... أحبَّهم والبلاءُ عطاءُ

فاصبرْ لبلْوى وكن راضيًا ... فإن هذا هو الدواءُ

سلم إلى الله ما قضاه ... ويفعل الله ما يشاء

[برد الأكباد عند فقد الأولاد للحافظ المحدث أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد المعروف بابن ناصر الدين الدمشقي (777-842هـ) ص12.]

شأن المؤمن أن يعبد الله لأنه يستحق العبودية، وشأنه أن يلتجئ إلى الله في الكبيرة والصغيرة؛ وليس ممن يتقلب حسب البلايا كما قال تعالى : "

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) " [الحج: 11]. روى الإمام مسلم في صحيحه : عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: "ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، اللهم أجُرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له خيرًا منها" قالت أم سلمة : فلما توفي أبو سلمة - رضي الله عنه - قلت كما أمرني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأخلف الله لي خيرًا منه رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم، وفي لفظ: "ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: "إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، اللهم أجُرْني في مصيبتي وأخلِفْ لي خيرًا منها..." الحديث"[ مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند المصيبة، برقم 918.] . وفي لفظ ابن ماجه: "إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، اللهم عندك أحتسب مصيبتي فأجُرْني فيها وعوِّضني خيرًا منها"[ ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصبر على المصيبة، برقم 1598، وأصله في صحيح مسلم.] . والمؤمن يعرف قيمة الدنيا وبالتالي يستصغر ما يصيبه فيها؛ لأن الدنيا دار ابتلاء وليست دار بقاء ودوام؛ فمصائبها مؤقتة غير دائمة، والخسران كل الخسران لمن خسر الآخرة، وإذا تحقق المؤمن بحقيقة الدنيا لم يبال بما أصابه فيها من مصائب إذا لم تكن في دينه. قال تعالى : " َا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) " [العنكبوت: 64]. وأضرب مثالا لمصيبة فقد الأحبة، فهذه مصيبة عظيمة، ولكن اسمع ما وعد الله المؤمن المحتسب الذي فقد عزيزا عليه : روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: يقول الله تعالى: "ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ إذا قبضت صفيَّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة" [البخاري، كتاب الرقاق، باب العمل الذي يبتغى به وجه الله، برقم 6424.] ، قوله: "جزاء" أي ثوابا وقوله: "إذا قبضت صَفِيَّه" وهو الحبيب المصافي: كالولد، والأخ، وكل من يحبه الإنسان، والمراد بالقبض قبض روحه وهو الموت.. وقوله: "ثم احتسبه إلا الجنة" والمراد: صبر على فقده راجيًا من الله الأجر والثواب على ذلك. والاحتساب: طلب الأجر من الله تعالى خالصًا. فهل المؤمن الذي يعلم هذا الثواب يمكنه أن يتسخط أو يقول كلاما لا يرضي الله، أو يتصرف تصرفا فيه اعتراض على هذا القضاء؟ حاشاه أن يفعل شيئا من ذلك. والمؤمن المبتلى الصابر المحتسب درجته عند الله بعد درجة الأنبياء؛ روى الترمذي في جامعه في باب ما جاء في الصبر على البلاء من حديث مصعب بن سعد عن أبيه رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: "الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل: يُبتلى الرجل على حسب دينه؛ فإن كان في دينه صلبًا اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقةً ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة" فإذا أمعن العبد المؤمن النظرة وتفحص فيما ناله من هذه البلايا والمصائب علم أنها في الظاهر كذلك، لكنها في جلية الأمر منح وهبات ربانية. والله أعلم.

فهرس الأسئلة