رُكـْنُ الفـتْـوَى

السؤال 77:

هل من توبة لمن قتل والديه؟

جواب الدكتور محمد الخرشافي :

أعظم الذنوب على الإطلاق هو ذنب الشرك بالله؛ روى الإمامان : البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : (سألت رسول الله e أي الذنب أعظم عند الله؟ قال : أن تجعل لله ندا وهو خلقك...).وهذا الذنب هو الذي قال الله بشأنه : "إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48)" [النساء: 48].

وقال بشأنه كذلك : " إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116) " [النساء: 116].

ويقول كذلك : " وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) " [الحج: 31].

هذا الذنب مع عظمه هذا، من تاب منه تاب الله عليه؛ قال تعالى : " قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (38) " [الأنفال: 38].

أخرج النسائي وغيره من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إذا أسلم العبد، فحسن إسلامه، كتب الله له كل حسنة كان أزلفها، ومحيت عنه كل سيئة كان أزلفها، ثم كان بعد ذلك القصاص، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عز وجل عنها".

والناظر في النصوص الشرعية التي تأمر بعبادة الله وعدم الإشراك به كثيرا ما يجد أنها تجمع بين أمرين : الأمر بعبادة الله، والإحسان إلى الوالدين؛ قال تعالى : " وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا " [البقرة: 83].

وقال سبحانه : " وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا " [النساء: 36].

وقال عز وجل : "قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا .." [الأنعام: 151].

وقال تعالى : " وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) " [الإسراء: 23، 24].

فمقام الإحسان إلى الوالدين مقام عظيم عند الله سبحانه، والإساءة إلى أحدهما أو إليهما معا ذنب كبير؛ ومع عظم هذا الذنب لا يستطيع أحد من أهل العلم أن يدعي بأن من قتل والديه لا توبة له.

روى الإمام مسلم في صحيحه[صحيح مسلم 1/5 . ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي 4/ 2118.

] عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه و سلم قال: "كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على راهب فأتاه فقال : إنه قتل تسعة وتسعين نفسا؛ فهل له من توبة؟ فقال : لا. فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض؛ فدل على رجل عالم. فقال : إنه قتل مائة نفس؛ فهل له من توبة؟ فقال: نعم ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا؛ فإن بها أناسا يعبدون الله؛ فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة : جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيرا قط. فأتاه ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم؛ فقال : قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد؛ فقبضته ملائكة الرحمة".

فجرم هذا عظيم؛ فقد قتل مائة نفس ظلما وعدوانا من غير جريرة ولا شبهة، ومع ذلك فلما عقد توبته، قبلها الله منه.

ومن أعظم الذنوب اليأس من رحمة الله تعالى؛ ولذا وجه الله عباده المسرفين في ارتكاب الذنوب إلى عدم القنوط من رحمته؛ قال تعالى : " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) " [الزمر: 53 - 56].

لقد أوردتُ هذه الأدلة لأبين أن باب التوبة مفتوح لهذا الذي قتل والديه؛ ولكن عليه أن يعمل على أن تكون توبته توبة نصوحا، وأن ينقلب من حياة المعاصي إلى حياة الطاعة، وعليه أن يحسن إلى من كانت له علاقة طيبة بوالديه، وكثرة الاستغفار والنوافل والصيام والصدقة... وغير ذلك من أعمال البر والصلاح لترجح كفة حسناته على كفة السيئات.

والله أعلم.

فهرس الأسئلة