رُكـْنُ الفـتْـوَى

السؤال 81 :

نذرت نذرا لله عز وجل، لكن لم أتمكن حتى الآن من الوفاء به إلا جزئيا. فهل تجب علي كفارة لأتحلل من النذر وما هي إن كان الأمر كذلك؟

جواب الدكتور محمد الخرشافي :

النذر ينقسم إلى قسمين من حيث وجوب الوفاء به أو عدمه؛ فإن كان نذر طاعة وجب الوفاء به، وإن كان نذر معصية حرم الوفاء به، لقوله صلى الله عليه وسلم : (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه) حديث متفق عليه.

والنذر ينقسم إلى قسمين كذلك من حيث النذر الذي يكون الوفاء به مرة واحدة ،كمن نذر أن يتصدق بدرهم فوفى بذلك.

القسم الثاني النذر المستمر، كمن نذر أن يتصدق في كل شهر بعشرة دراهم طيلة حياته؛ فهذا صار واجبا عليه أن يتصدق كل شهر بعشرة دراهم إلى أن يتوفاه الله سبحانه وتعالى.

وهذا النذر غير محمود؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يلتزم بشيء لم يلزمه الله إياه، لكن لما ألزم نفسه به صار واجبا عليه.

فإن وفى بنذر حتى توفاه الله فذاك، وإلا كان آتما لتركه الوفاء بنذره.

وينقسم النذر كذلك إلى قسمين من الإطلاق والتقييد، فالنذر المطلق ما يوجبه الإنسان على نفسه بدون تعليقه بشيء كقوله نذرت لله أن أصوم يوم الخميس الآتي فهذا صار واجبا عليه ذلك اليوم بالتحديد.

وهذا محمود ما دام نذر شيئا مستطاعا ولا مشقة فيه، ثم وفى بنذره لقوله تعالى : { يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) } [الإنسان: 7].

أما النذر المقيد بقيد، ويسمى كذلك بالنذر المعلق؛ مثاله : لله علي أن أبني مسجدا لله إن ربحت تجارتي الفلانية، فهذا النذر يصير الوفاء به واجب عليه إن ربحت تجارته المعينة.

فهذا النذر مكروه وقد روى عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن النذر وقال إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل) حديث متفق عليه.

فما قَدَّرَه الله قد قدره، والنذر الذي نذرت لن يكون هو السبب في ربح التجارة التي ذكرت ، فإن كان في قدر الله أن تكون تلك التجارة ناجحة فهو كذلك وإن كان في قدر الله أنها لن تكون ناجحة فلن تكون ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (وإنما يستخرج به من البخيل)، وجاء في رواية مسلم للحديث المذكور : (النذر لا يقدم شيئا ولا يؤخره وإنما يستخرج به من البخيل).

إن المؤمن من شأنه أن يوفي بنذره إذا نذر طاعة لله وعليه ألا يكون كمن قال الله فيه : { وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) } [التوبة: 75 - 77].

ولمعرفة وجوب الوفاء بالنذر أسوق الحديث التالي : روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : (أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال : نعم حجي عنها؛ أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته، اقضوا الله فالله أحق بالوفاء).

ومن نذر أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فوفى بنذره سنة أو سنوات، ثم عجز عن الوفاء بنذره هذا، قيس على مَن مَرِض مرضا مزمنا أو لحقته الشيخوخة التي أعجزته عن الصيام؛ فهذا وجب عليه إطعام مسكين عن كل يوم من الأيام الثلاثة التي لم يصمها لقوله تعالى : { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } [البقرة: 184]، لأن حكم عدم القدرة على الصوم في الفريضة هو نفسه حكم عدم القدرة على الصوم في النذر.

ولزيادة الفائدة أذكر أن من نذر نذرا ولم يستطع الوفاء به، ولكنه يستطيع الوفاء بما هو أفضل منه ، فإنه إن فعل عد ممن وَفَّــــى بنذره؛ مثال ذلك : من نذر أن يصلي في مسجد بيت المقدس ولم يستطع الوفاء بنذره هذا له أن يصلي بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، أو أن يصلي في بيت الله الحرام؛ فمن فعل ذلك كان موفيا بنذره، لأن الصلاة في المسجد النبوي ـ وكذا في بيت الله الحرام ـ أفضل من الصلاة في مسجد بيت المقدس.

والله أعلم.

فهرس الأسئلة