التسامح بين الإسلام والقانون الدولي (النسخة PDF )

بقلم: عبد الكريم دحو الإدريسي (دكتوراه في القانون الدولي الدبلوماسي)

يعتبر التسامح أحد الأرقام الحاسمة في معادلة انشراح الصدور. وهو ينبثق ـ في علاقات المسلمين الدولية ـ من صلب تعاليم الإسلام وروح الرحمة والعفو. قال الله عز وجل:" يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارَفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليمٌ خبير "(سورة الحجرات: 13). ولغياب التسامح آثار وخيمة على مختلف نواحي الحياة. ويثير موضوع التسامح العديد من التساؤلات التي لا يخلو بعضها من صعوبة أو تعقيد:

ـ فكيف مثلا تعالج التشريعات أو القوانين الوطنية وأحكام القانون الدولي مختلف جوانب التسامح؟

ـ وهل ثمة تطابق مطلق بين المستوى التشريعي أو النظري وبين الممارسة؟

ـ وما هي حدود المسموح به والمحظور في مجال التسامح؟

ـ وهل صحيح أن الإسلام بُنيَ على القسوة والإكراه في الدين وزرع الأحقاد والظلم والعنف والترويع والإرهاب؟

إن للتسامح أركانا رئيسية وأبعادا مختلفة. لكن، قبل هذا وذاك، ما المقصود بالتسامح وما هي نطاقاته؟

أولا ـ مفهوم التسامح ونطاقه:

ذكر ابن منظور أن الحنفية السمحة ليس فيها ضيق ولا شدة. وتقول العرب عليك بالحق فإن فيه لَمَسْمَحاً أي مُتسَعاً. والسماح والسماحة: الجود. يقال سَمَحَ وأسْمَحَ إذا جاد وأعطى عن كرم وسخاء. والمُسامحة : المُساهلة. وتسامحوا: تساهلوا. وسَمَحَ وتَسَمَّحَ: فعل شيئا فسهل فيه. (*)

والتسامح يعني غياب مختلف أنواع الاضطهاد الديني أوالمذهبي والتعصب الفكري أوالحزبي والتحيز العرقي أو العنصري. ويعني أيضا غياب مختلف أمراض القلوب العابرة للحدود، كالاستكبار والحسد والحقد والكراهية وعشق الحيف. وهو ليس مرادفا للاستلاب الروحي والعقلي والنفسي والجسدي، الناجم عن إكراهات خارجية اجتماعية واقتصادية وسياسية. ولا علاقة له بالذل والهوان، فهو يصدر عن حِلْـٍم ورحمة، وليس عن خوف وذِلة. وقد قيل: أحسن المكارم عفو المقتدر وجود المفتقر. والتسامح لا يعني التسليم في المُسَلمَّات أو التنازل عن الحقوق تحت ضغط وإكراه.

وممارسة التسامح لا تعني حسب المادة الأولى من " إعلان المبادئ بشأن التسامح" الذي اعتمده المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم في دورته الثامنة والعشرين بتاريخ 16 نوفمبر1995 :" تقبل الظلم الاجتماعي أو تخلي المرء عن معتقداته أو التهاون بشأنها. بل تعني أن المرء حر في التمسك بمعتقداته وأنه يقبل أن يتمسك الآخرون بمعتقداتهم. والتسامح يعني الإقرار بأن البشر المختلفين بطبعهم في مظهرهم وأوضاعهم ولغاتهم وسلوكهم وقيمهم، لهم الحق في العيش بسلام وفي أن يطابق مظهرهم مخبرهم، وهي تعني أيضا أن آراء الفرد لا ينبغي أن تفرض على الغير".

وللتسامح نطاقات عديدة: فيما بين الأفراد، وداخل الأسر، وداخل المنظومات العقائدية وفيما بينها، وداخل المذاهب وفيما بينها، وداخل الدول وفيما بينها، إلخ.

ثانيا ـ أركان التسامح :

للتسامح أركان ذاتية وموضوعية يصعب إحصاؤها، لكن يمكن اختزال أبرزها في سلامة القلوب والأصل المشترك بين الإنسانية، وحرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية، والعدل والإنصاف، والأمن، والوفاء بالعهد واحترام آداب الكلام والاختلاف والبر والإحسان والعفو.

1 ـ سلامة القلوب

تمثل طهارة القلوب قطب الرحى بالنسبة لأركان التسامح المختلفة، باعتبار أن عمليات التسامح تتم أولا في ساحات القلوب، قبل أن تُدَوِّن في النصوص. وإذا كانت القوانين الجنائية لا تُجَرم أمراض القلوب التي تفتك بأصحابها فتكا (قبل أن يمتد ضررها إلى الغير)، فإن الإسلام حرمها تحريما لا لبس فيه وحذر من التلطخ بأوساخها.

وعلى غرار ما يجري داخل بعض المجتمعات، فإن غياب التسامح يتغذى في العلاقات الدولية من أمراض القلوب العابرة للحدود، ويتعلق الأمر أساسا بالأحقاد المتبادلة والحسد والاستكبار، علما أن تلك التغذية متبادلة فيما بين هذه الأدواء.

فبالنسبة للحقد، عَلَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلا كيف نسأل الله عز وجل أن يطهر قلوبنا من الأحقاد، حيث ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري في الأدب المفرد وأحمد في مسنده وابن ماجه في سننه والحاكم في مستدركه أنه صلى الله عليه وسلم قال : "رب اجعلني لك شكّارًا لك، ذكارًا لك، رهابـًا لك، مطيعـًا إليك، مخبتـًا إليك، أواهـًا مُـنيبـًا. رب تقبل توبتي، واغسل حَـْوَبتي، وأجب دعوتي، واهد قلبي، وسَدّد لساني، وثبتْ حجتي، واسْـلل سَخيمة قلبي" [والسخيمة: الحقد]." والحقد كما عرفه ابن منظور هو: "إمساك العداوة في القلب والتربص لفرصتها". ولذا، قيل بأن الحليم ليس هو الذي ظُلم فحلم حتى إذا قدر انتقم، ولكن الحليم من ظُلم فحلم حتى إذا قدر عفا.

وبالنسبة للحسد، فقد حرمه الإسلام، وأمر الله عز وجل رسوله أن يستعيذ من شر الحاسد، لأن الحسد جمرة تتقد في الصدر فتؤذي صاحبها قبل أن تؤذي الناس. وقال رسول صلى الله عليه وسلم عن الحسد مثلا : "ولا يجتـمعُ في جـوف عبد الإيمان والحسد". (*) ، فالحسد يقتل الإيمان قتلا. أي انه إذا تمكن أحدهما من القلب أخرج الآخر، فهما لا يتعايشان في نفس المكان. وحضور أحدهما ينبئ عن غياب الآخر.

2 ـ الأصل المشترك والكرامة الإنسانية والمساواة

عندما يتذكر الإنسان الأصل المشترك للإنسانية، لا يبقى ثمة مجال للاستكبار والاستعلاء والتباهي بالأنساب والأعراق والألوان. قال الله تعالى : " ومن آياته أنْ خلقكم مِن تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون "(سورة الروم:20). وقال تعالى:" يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساءً "(سورة النساء:1). وقال تعالى:" كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مُبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه "(سورة البقرة: 213). وقال تعالى:" ولقد كرمنا بني آدمَ وحملناهمْ في البَرّ والبحر ورزقناهم مِنَ الطيبات وفضلناهمْ على كثير ممن خلقنا تفضيلا "(سورة الإسراء:70).وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صُوَركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأشار بأصابعه إلى صدره". (*) وقال أيضا:" يا أيها الناس! إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى..." (*) وقد طُبِّق هذا المبدأ في الواقع أيام خاتم الأنبياء والرسل محمد صلى الله عليه وسلم وبعده. ومن أشهر الصحابة الذين لم يمنعهم لونهم أو عرقهم من تَبَوُّء مكان الصدارة في المجتمع، صهيب بن سنان الرومي وبلال الحبشي وسلمان الفارسي...

3 ـ حرية العقيدة: لا إكراه في الدين

يقول الله عز وجل "لا إكراه في الدين"، "أي لا تُكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام؛ فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يُكره أحد على الدخول فيه..." (*) . ففي هذا المبدأ يتجلى تكريم الخالق عز وجل للإنسان، واحترام إرادته وفكره، وتحميله تبعة اختياره. ويمثل هذا أسمى مظاهر التحرر الإنساني. وحرية الاعتقاد هي أول حقوق الإنسان التي تثبت إنسانيته. والذي يسلب إنسانا هذه الحرية، إنما يسلبه إنسانيته. وإذا لم تقرن هذه الحرية بالأمن من الأذى والفتنة، فإنها تبقى حرية شكلية لا معنى لها. وقال تعالى:" فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر "(سورة الكهف:29). وقال تعالى:" ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تُكرهُ الناس حتى يكونوا مؤمنين ".(سورة يونس: 99). وقال تعالى:" لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكم ليبلوكم في ما آتاكم "(سورة المائدة:48).

وقد قنن التشريع الجنائي المغربي قاعدة "لا إكراه في الدين" التي نص عليها القرآن الكريم من خلال الفصل 220 الذي نص على ما يلي:" من استعمل العنف أو التهديد لإكراه شخص أو أكثر على مباشرة عبادة ما أو على حضورها، أو منعه من ذلك، يُعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم. ويُعاقب بنفس العقوبة كل من استعمل وسائل الإغراء لزعزعة عقيدة مسلم أو تحويله إلى ديانة أخرى، وذلك باستغلال ضعفه أو حاجته إلى المساعدة أو استغلال مؤسسات التعليم أو الصحة أو الملاجئ أو المياتم، ويجوز في حالة الحكم بالمؤاخذة أن يُحكم بإغلاق المؤسسة التي استعملت لهذا الغرض، وذلك إما بصفة نهائية أو لمدة لا تزيد على ثلاث سنوات".

ونص الفصل 221 من نفس التشريع على ما يلي : "من عطل عمدا مباشرة إحدى العبادات، أو الحفلات الدينية، أو تسبب عمدا في إحداث اضطراب من شأنه الإخلال بهدوئها ووقارها، يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم".

ونص الفصل 223 على ما يلي:" مَن تعمد إتلاف بنايات، أو آثار، أو أي شيء مما يُستخدم في عبادة ما، أو خرب ذلك أو لوثه، يُعاقب بالحبس مِن ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم". (*)

ويبين التشريع المقارن والممارسة الدولية في مجال تطبيق أحكام القانون الدولي الخاصة بالحرية الدينية، أن الالتزامات والممارسات الدولية في مجال التنشئة الدينية لا تمثل دائما وحدة منسجمة. فإذا كانت أغلبية الدول لم تتحفظ على المادة 14 من اتفاقية حقوق الطفل (المبرمة بتاريخ 20 نونبر 1989) التي أكدت فقرتها الأولى على حق الطفل في حرية الفكر والوجدان والدين، فإن مجموعة من الدول الإسلامية (*) ودولة الفاتيكان قد أعربت عن تحفظها على المادة 14 المذكورة. (*)

وهكذا، فقد تحفظت المملكة المغربية على أحكام المادة 14 باعتبار أن الإسلام هو دين الدولة. وورد في تصريحات حكومة الجزائر أنها ستفسر أحكام الفقرة الأولى والثانية من المادة 14 بمراعاة الأسس الرئيسية للنظام القانوني الجزائري وعلى الخصوص الدستور الذي ينص في مادته الثانية على أن الإسلام هو دين الدولة، والقانون رقم 84-11 (المؤرخ في 9 يونيو 1994) المتعلق بمدونة الأسرة والذي ينص على أن تربية الطفل تتم في إطار دين أبيه. وتحفظت العراق على الفقرة الأولى من المادة 14، موضحة بأن تمكين طفل من تغيير الدين يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية. وصرحت حكومة جمهورية المالديف في تحفظها على الفقرة الأولى من المادة 14 بأن دستورها وقوانينها ينصان على أن جميع المالديفيين [أي المتمتعين بجنسية دولة المالديف] يتعين عليهم أن يكونوا مسلمين. واحتفظت حكومة جمهورية أفغانستان لنفسها بالحق في صياغة تحفظات تجاه أي حكم للاتفاقية قد لا ينسجم مع الشريعة الإسلامية ومع التشريع الجاري به العمل. وورد في تحفظ المملكة الهاشمية أنها لا تعتبر نفسها مرتبطة بأحكام المادة 14 التي تعترف للطفل بالحق في حرية الدين... وصرحت دولة الإمارات العربية المتحدة بأنها لا تعتبر نفسها مرتبطة بالأحكام المعلن عنها في المادة 14 إلا في الحدود التي لا تخالف فيه هذه الأحكام مبادئ وقواعد الشريعة. وورد في تصريح العربية السعودية أنها تتحفظ على جميع الأحكام التي تتعارض مع تعليمات القانون الإسلامي. وورد في تحفظ الكويت أنها تتحفظ على جميع أحكام الاتفاقية التي تتعارض مع الشريعة الإسلامية والنصوص التشريعية الداخلية الجاري بها العمل. وصرحت جمهورية أندونسيا أن تصديقها على الاتفاقية لا يستتبع قبول التزامات تتجاوز الحدود الدستورية ... وأنها ستطبق المادة 14 من الاتفاقية طبقا لدستورها. واحتفظت حكومة الجمهورية الإسلامية لإيران في تحفظها بالحق في الامتناع عن تطبيق أحكام أو بنود الاتفاقية غير المنسجمة مع القوانين الإسلامية ومع التشريع الداخلي الجاري به العمل. وصرحت حكومة بروناي دار السلام بأنها تتحفظ على أحكام الاتفاقية القابلة للتعارض مع دستورها ومع عقائد ومبادئ الإسلام الذي هو دين الدولة، وخاصة على المادة 14...مع مراعاة طابعها العام. وذكرت حكومة بنغلاديش أنها أحاطت الأمين العام علما بأنها صادقت على الاتفاقية مع تحفظ على الفقرة الأولى من المادة 14. وورد في تصريح حكومة جمهورية جيبوتي أنها لا تعتبر نفسها مرتبطة بالأحكام أو المواد غير المنسجمة مع دينها ومع قيمها التقليدية. وورد في تحفظ الجمهورية العربية السورية أنها تتحفظ على أحكام الاتفاقية التي لا تنسجم مع التشريع العربي السوري ومع مبادئ الشريعة وخصوصا المادة 14 التي تعترف للطفل بحرية الدين ... وورد في تحفظات سلطنة عُمان أنها تتحفظ على جميع أحكام الاتفاقية التي لا تنسجم مع الشريعة الإسلامية أو التشريعات الجاري بها العمل في السلطنة، وأنها لا تعتبر نفسها ملتزمة بأحكام المادة 14 للاتفاقية التي تعترف للطفل بالحق في حرية الدين. وورد في تحفظ دولة قطر أن ترغب في صياغة تحفظ عام تجاه جميع أحكام الاتفاقية التي لا تنسجم مع القانون الإسلامي. وصرحت حكومة ماليزيا بخصوص المادة 14 مثلا بأنها لن تطبقها إلا إذا كانت تتفق مع الدستور ومع القانون الداخلي والسياسات الوطنية لحكومة ماليزيا. وصرحت الجمهورية الإسلامية لموريتانيا أنها تتحفظ على المواد أو الأحكام القابلة للتعارض مع معتقدات وقيم الإسلام الذي هو دين الشعب والدولة.

وبالنسبة لدولة الفاتيكان فقد ورد في تحفظها بأنها تفسر مواد الاتفاقية بشكل يحفظ حقوق الوالدين الأساسية وغير القابلة للتصرف فيما يخص التربية والدين. كما صرحت بأن تطبيق الاتفاقية يتعين أن ينسجم في الممارسة مع الطبيعة الخاصة لدولة الفاتيكان ومع مصادر قانونها الموضوعي. "واعتبارا لطبيعتها ووضعيتها الخاصتين، فإن الفاتيكان، بانضمامها إلى هذه الاتفاقية، لا تنوي بأي شكل الابتعاد عن مهمتها الخاصة التي لها طابع ديني وأخلاقي".

ويجدر التذكير، بأنه خلافا لاتفاقية حقوق الطفل، فإن الفقرة الثالثة من المادة السادسة والعشرين من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 ديسمبر 1948 قد نصت على أنه:" للآباء الحق الأول في اختيار نوع تربية أولادهم". ونصت الفقرة الرابعة من المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المؤرخ في 16 دجنبر 1966على ما يلي:" تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد باحترام حرية الآباء والأولياء الآخرين عند وجودهم في تأمين تعليم الأولاد المشمولين بولايتهم وتربيتهم دينيا وخلقيا وفقا لمعتقداتهم الخاصة".

4 ـ حرية ممارسة الشعائر الدينية وحرية الرأي والتعبير

قال الله عز وجل في القرآن الكريم:" ولولا دَفعُ الله الناس بعضهم ببعض لَهُدمت صوامعُ وبِـيَعٌ وصلواتٌ ومساجدُ يُذكرُ فيها اسم الله كثيرا[...] "(سورة الحج:40).قال ابن كثير: (ولولا دَفعُ الله الناس بعضهم ببعض) أي لولا أنه يدفع بقوم عن قوم ويكف شرور أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب لفسدت الأرض ولأهلك القوي الضعيف. (لَهُدمت صوامعُ) وهي المعابد الصغار للرهبان قاله ابن عباس ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والضحاك وغيرهم...(وبِـيَعٌ) وهي أوسع منها...وهي للنصارى أيضا[أي الكنائس]... (وصلوات)...كنائس اليهود[أي معابدهم]...وأما المساجد فهي للمسلمين... (*)

لقد بلغ التشريع الإسلامي غاية السمو عندما قرر حرية ممارسة الشعائر الدينية لغير المسلمين في بلاد المسلمين. ففي أي بلد إسلامي يستطيع غير المسلم أن يعلن عن عقيدته، وأن يمارس شعائره الدينية، وأن يقيم المعابد والمدارس لدراسة دينه، فلليهود في البلدان الإسلامية معابدهم التي يتعبدون فيها بطرق رسمية، ولهم مدارسهم الخاصة، ولهم أن يكتبوا ما يشاؤون عن عقيدتهم وأن يفضلوها على غيرها من العقائد في حدود النظام العام والآداب والأخلاق الفاضلة. وكذلك حال المسيحيين، فلكل أصحاب مذهب كنائسهم ومدارسهم.

هذا، ويصعب إحصاء سوابق احترام المسلمين لهذه الحرية عبر التاريخ. فما كاد يستقر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، حتى عقد صلحا دائما مع طوائف المدينة، وفق فيه بين الأوس والخزرج، ومع اليهود فأقرهم على دينهم وأموالهم. وهكذا، ورد مثلا في صحيفة المدينة "أن يهود بني عون أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم...". (*) وعندما صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلا أهل نجران، كتب لهم كتابا ورد فيه:"... ولنجران وحاشيتها ذمة الله وذمة رسوله، على دمائهم وأموالهم وملتهم وبيعهم ورهبانيتهم وأساقفتهم وشاهدهم وغائبهم وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير..." (*) وورد في كتاب صلح خالد بن الوليد إلى أهل دمشق:"هذا كتاب من خالد بن الوليد لأهل دمشق : إني قد أمنتهم على دمائهم وأموالهم وكنائسهم". (*) صحيح أن ثمة العديد من القيم المشتركة بين الإنسانية. لكن ما لا ينبغي إغفاله هو وجود خصوصيات ثقافية للشعوب يتعين احترامها. إن معنى المقدس قد يختلف من دين لآخر، ومن ثقافة لأخرى. فنفس السلوك قد يُعتبر في ثقافة معينة، انتهاكا خطيرا لمنظومة قيم مجتمع معين وطعنا في مقدساته ورموزه، مما قد يثير ردود فعل لا تكون في الحسبان. وقد لا يثير نفس السلوك أي تحفظ بالنسبة لثقافة أخرى. إن حقوق الإنسان، كما يقول الأمين العام للأمم المتحدة،" تنطوي على مسؤولية متأصلة، ويجب ألا تستخدم للحط من شأن أية جماعة أو فرد أو توجيه الإهانات لهم. بل على العكس من ذلك، يجب أن نتحلى جميعا بقدر كبير من الحساسية عندما نتعامل مع الرموز والتقاليد المقدسة لدى الآخرين". ونصت الفقرة الثالثة من المادة 14 من اتفاقية حقوق الطفل مثلا على أنه:" لا يجوز أن يخضع الجهر بالدين أو المعتقدات إلا للقيود التي ينص عليها القانون واللازمة لحماية السلامة العامة أو النظام أو الصحة أو الآداب العامة أو الحقوق والحريات الأساسية للآخرين". (*) ونصت المادة التاسعة والعشرون من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على ضرورة خضوع" الفرد في ممارسة حقوقه وحرياته لتلك القيود التي يقررها القانون فقط، لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياته واحترامها ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العامة والمصلحة العامة، إلخ"

وهذا ما يجعل الحدود بين المسموح به والمحظور في مجال التسامح تختلف من دولة لأخرى، بل وقد تختلف داخل نفس الدولة من منطقة لأخرى. ومما قاله وليام غالستون الباحث بمعهد بروكنغز للأبحاث في واشنطن :"لم يكن موقف حكومتنا أو نظامنا القضائي في أي وقت من الأوقات يقول إن أي شيء جائز إذا أدرج تحت تصنيف الديانات المنظمة. وقضية متى يمكن للحكومة أن ترسم حدا فاصلا بين الممارسات المسموح بها وتلك المحظورة، يكتنفها تعقيد بالغ. وكما بينت تجربة المورمون فإن هذا الخط لم يكن قائما في المكان ذاته في التاريخ الأمريكي". (*)

5 ـ العدل والإنصاف:

العدالة أساس كل علاقة إنسانية، لأن البغي أو الطغيان أساس خراب المدنيات وزوال السلطان وانهيار النظم. قال تعالى:" إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون "(سورة النحل:90). وقال تعالى:" يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله بالقسط ولا يَجرمنَّكم شَنَآنُ قومٍ على ألا تعدلوا اعدِلوا هو أقرب للتقوى ".(سورة المائدة:8).

وقد روى الحاكم في مستدركه (*) أن زيد بن سعنة أحد أحبار اليهود جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل الموعد المتفق عليه ليطالبه بدينه، فأخذ بمجامع قميصه وردائه، ونظر إليه بوجه غليظ ، قائلا: يا محمد! ألا تقضني حقي؟ والله إنكم لمطل يا بني عبد المطلب. عند ذلك نظر إليه عمر وعيناه تدوران في وجهه من الغضب، ثم قال: يا عدو الله! أتقول لرسول الله ما أسمع، وتصنع به ما أرى؟! والذي بعثه بالحق، لولا ما أُحاذر من لومه لضربت بسيفي هذا رأسك.

فارتعد وخاف واضطرب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمر وهو يبتسم في سكون وتؤدة، يا عمر! أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا؛ أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن الطلب، اذهب يا عمر! فأعطه حقه، وزده عشرين صاعاً من تمر جزاء ما روعته. ثم انطلق عمر وأعطى الرجل حقه، وزاده عشرين صاعاً.

فقال زيد : ما هذه الزيادة يا عمر؟

قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أزيدك جزاءَ ما روعتك.

فتلألأ وجه زيد بالبشر، قال : ألا تعرفني يا عمر؟

قال : لا.

قال: أنا زيد؛ حبر اليهود، لم يكن من علامات النبوة شيء إلا عرفته في وجه رسول الله إلا علامتين؛ أنه يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً، وقد عرفتهما الآن؛ فأشْـِهدُك أني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً...

وقد ذُكِر من أمثلة عدالة الخلفاء المسلمين ما حدث من اقتصاص عمر بن الخطاب من ابن واليه عمرو بن العاص لضربه مصريا بدون حق وقوله لعمرو:" متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا". (*)

ومن الأمثلة أيضا ما طبقه عمر بن عبد العزيز، فقد كتب مثلا إلى عدي بن أرطاة يقول:"...وانظر من قبَلك مِن أهل الذمة قد كَبُرت سنّه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب؛ فأجْـِر عليه مِن بيت مال المسلمين ما يُصلحه...وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر مَرَّ بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس. فقال: ما أنصفناك، أن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك؛ ثم ضيعناك في كبرك. قال : ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه". (*)

وقد كتب الماوردي عن العدل قائلا:" وليس شيء أسرع في خراب الأرض، ولا أفسد لضمائر الخلق، من الجوْر[...] فإذا كان العدل من إحدى قواعد الدنيا، التي لا انتظام إلا به،[...] وجب أن يُبدأ بعدل الإنسان في نفسه، ثم بعدله في غيره.

فأما عدله في نفسه، فيكون بحملها على المصالح، وكفها عن القبائح[...] ومن ظلم نفسه فهو لغيره أظلم، ومن جار عليها فهو على غيره أجوَر[...].

وأما عدله مع غيره، فقد ينقسم [...] على ثلاثة أقسام:

فالقسم الأول: عدل الإنسان فيمن دونه، كالسلطان في رعيته، والرئيس مع صحابته، فعدله فيهم يكون بأربعة أشياء : باتباع الميسور، وحذف المعسور، وترك التسلط بالقوة، وابتغاء الحق في السِّيرة؛ فإن اتباع الميسور أدْوَم، وحذف المعسور أسلم، وترك التسلط أعطف على المحبة، وابتغاء الحق أبْعثُ على النُّصْرة[...] وقال بعض البلغاء: أقرب الأشياء صَرْعَة الـَّظلُوم، وأنْفَذُ السهام دعوة المظلوم[...].

والقسم الثاني: عدل الإنسان مع من فوقه، كالرعية مع سلطانها، والصحابة مع رئيسها فقد يكون بثلاثة أشياء: بإخلاص الطاعة، وبذل النصرة، وصدق الولاء، فإن إخلاص الطاعة أجمع للشمل، وبذل النصرة أدفع للوهن، وصدق الولاء أنفى لسوء الظن. وهذه أمور إن لم تجتمع في المرء تسلط عليه من كان يدفع عنه، واضطر إلى اتقاء من كان يقيه[...].وقال بعض الحكماء: الظلم مسلبة النعم، والبغي مجلبة للنقم[...].

والقسم الثالث: عدل الإنسان مع أكفائه، ويكون بثلاثة أشياء: بترك الاستطالة، ومجانبة الإذلال، وكف الأذى، لأن ترك الاستطالة آلف، ومجانبة الإذلال أعطف، وكف الأذى أنصف. (*)

6ـ الأمـن

للأمن نقيض وهو الخوف. والخوف توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة. (*) ويستعمل ذلك في الأمور الدنيوية والأخروية. والأمن نعمة ربانية يتصرف فيها كيف يشاء. فالله سبحانه هو الذي يبدل الخوف أمنا والأمن خوفا.

وإذا كان يبدو أن الأمن من نتائج العدل، وإذا كان بالإمكان على مستوى العدالة الإمساك بزمام الأمور، فإنه من الصعوبة بمكان على مستوى الأمن، الإمساك بزمام القلوب والعقول، لأن للأمن أسبابا موضوعية قد يُتَحَكّم فيها (خطط واستراتيجيات أمنية، وموارد بشرية ومادية) وأسبابا ذاتية (روحية وعقلية ونفسية وسلوكية) يصعب ضبطها.

وثمة علاقة وطيدة بين الظلم والخوف. فقد قال الله تعال مثلا:" ومَنْ أظلمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجدَ الله أن يُذكرَ فيها اسمُه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خِزْي ولهم في الآخرة عذاب عظيمٌ "(سورة البقرة: 114).

هذا وقد ذكر الدكتور ابن عبود ـ رحمه الله ـ بخصوص الظلم (بنوعيه : ظلم النفس وظلم الغير) أنه يؤدي إلى كثير من الأمراض الجسمية والعقلية... (*) p وكتب الدكتور كاريل في هذا الصدد موضحا أنه" ... يخلق كل مِنْ تقلب الحياة العصرية والقلق الدائم وانعدام الأمن حالاتٍ من الشعور تُسبب اضطرابات عصبية وعضوية للمعدة والأمعاء، واختلالا في التغذية، ومرور الميكروبات المعوية إلى الدورة الدموية...". (*)

وسبق للماوردي أن كتب عن الأمن قائلا: إن الأمن العام تطمئن إليه النفوس، ويَسْكُن فيه البَـِريءُ، وَيأنَسُ به الضعيف، فليْـس لخائفٍ راحة، ولا لحاذر طمأنينة. والخوف يكون تارة على النفس، وتارة على الأهل، وتارة على المال؛ وعمومه أن يستوعب جميعَ الأحوال، ولكل واحد من أنواعه حظ من الوهن [الضعف]. والخائف على شيء يظن أن لا خوف له إلا إياه، فيغفُل عن قدر النعمة بالأمن فيما سواه، فصار كالمريض الذي هو بمرضه متشاغل، وعما سواه غافل، ولعل ما صُـِرفَ عنه أعظمُ مِما ابتُلي به. ومَنْ عَمهُ الأمن كمَن استولت عليه العافية، فهو لا يَعْـِرفُ قَدْرَ النعمة بأمنه حتى يخاف، كما لا يعْـِرف المُعَافى قدْرَ النعمة بعافيته حتى يُصابَ. (*)

ويقول ابن القيم عن الرعب والخوف: إن الله يلقيهما في قلب العاصي، " فلا تراه إلا خائفا مرعوبا، فإن الطاعة حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين من عقوبة الدنيا والآخرة، ومن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب، فمن أطاع الله انقلبت المخاوف في حقه أمانا، ومن عصاه انقلبت مآمنه مخاوف[...] فمن خاف الله آمنه من كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء". (*)

وإذا كان الظلم أقرب المَعابر إلى الخوف، فإن الطغيان يجعل المرء أقرب إلى غضب الله عز وجل. قال الله عز وجل:" كلوا مِنْ طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيَحِلَّ عليكم غضبي ومَن يحْلِلْ عليه غضبي فقد هوى "(سورة طه: 81).

7 ـ الوفاء بالعهد

أرسى الإسلام قواعد صلبة لتمتين العلاقات الدولية بين المسلمين وغيرهم من شعوب العالم، وعلى رأسها قاعدة احترام المواثيق والمعاهدات الدولية. قال تعالى :" وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها" (سورة النحل:91). وقال تعالى:" وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا "(سورة الإسراء:34).

وهذه الصفة الإلزامية للمعاهدات تقرر أسبقية الوفاء بالمعاهدة المعقودة مع غير المسلمين "على النصرة الواجبة بين المسلمين بسبب الدين. وهذا ثابت بنص الآية الكريمة:" وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير "(سورة الأنفال:72). (*)

ونظرا لأهمية هذه القاعدة على مستوى بناء الثقة (التي هي أساس أي تواصل)، فقد سأل قيصر أبا سفيان بن حرب عن محمد صلى الله عليه وسلم: هل يغدر؟ فأجاب قائلا: لا. فردَّ عليه قيصر: وكذلك الرسل لا يغدرون. (*)

واعتبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الغدر من صفات المنافقين، حيث قال: "أربع خِلالٍ مَن كن فيه كان منافقا خالصا : مَنْ إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فَجَرَ. ومَنْ كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها". (*)

وأخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن:" لكل غاِدر لواءٌ يُنْصبُ يوم القيامة". (*) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من قتل معاهَدا لم يَرحْ رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما". (*)

ومما قاله عمر رضي الله عنه في باب الوفاء بالعهود مع أهل الذمة: " وأوصيه بذمة الله وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يُوفَى لهم بعهدهم، وأن يُقاتلَ مِن ورائهم [أي دفاعا عنهم]، ولا يُكلفوا إلا طاقتهم". (*)

ويذكر الله عز وجل جميع بني آدم بإنسانيتهم المشتركة بقوله:" ...من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومَنْ أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا "(سورة المائدة:32).

8ـ احترام آداب الكلام والاختلاف:

إذا كان بوسع الكلمة طيبة أن تُكسب صاحبها ألف صديق، فإنه بوسع الكلمة الخبيثة أن تُكسب صاحبها ألف عدو، بل قد تهوي به في نار جهنم. وتبيح الشريعة الإسلامية لأي إنسان أن يقول ما يشاء دون عدوان فلا يكون شتاماً ولا عيابا ولا قاذفا ولا لعّانا ولا مفتريا، وأن يدعو إلى رأيه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يجادل بالتي هي أحسن، وأن لا يجهر بالسوء من القول، وأن يُعرض عن الجاهلين.

قال الله عز وجل:" ألمْ ترَ كيف ضرب الله مثلاً كلمةً طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء. تُؤتي أكُلـَهَا كلَّ حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون. ومَثلُ كلمةٍ خبيثةٍ كشجرةٍ خبيثةٍ اجْتُثت مِن فوق الأرض ما لها مِنْ قرار "(سورة إبراهيم:24-26). وقال سبحانه : " ادْعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن "(سورة النحل:125). وقال تعالى : " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين "(سورة الأعراف: 199). وقال تعالى: " وعبادُ الرحمان الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما "(سورة الفرقان:63).وقال تعالى:" ولا تسُبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم "(سورة الأنعام:108).

وقال سبحانه :"وقولوا للناس حسنا". (سورة البقرة:83). وقال تعالى : " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم، وقولوا آمنا بالذي ُأنزلَ إلينا وأنزلَ إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن لهم مسلمون ".(سورة العنكبوت:46).

وقال تعالى: "وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطانَ ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبيناً"(سورة الإسراء:53). وقال تعالى : " وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ " (سورة فصلت:34-35). فالخير يطفئ الشر كما يطفئ الماء النار.

وقد وصى القرآن بأهل الكتاب عامة ونوه بما في قلوب أتباع عيسى عليه الصلاة والسلام من رأفة ورحمة وتواضع وقبول للحق. قال تعالى : " ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى بن مريم وآتيناهُ الإنجيلَ وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة... "(سورة الحديد:27). وقال تعالى:" ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون. وإذا سمعوا ما ُأنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق... "(سورة المائدة:82-83).

وفي سورة الأعراف تنويه بما كان عليه قوم من أتباع موسى عليه الصلاة والسلام من اليهود. قال تعالى:" ومِن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون "(سورة الأعراف: 159).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" الكلمة الطيبة صدقة". (*) وقال أيضا:" إن العبد ليتكلم بالكلمة ينزل بها في النار أبعدَ ما بين المشرق والمغرب". (*)

وقال أيضا:" فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا...ألا فلا ترجعوا بعدي ضُـّلالاً، يضرب بعضُكم رقاب بعض..." (*) وقد جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بين الدم والعِرض لما فيه من إيغار الصدور وإبداء الشرور واكتساب الأعداء. (*) " ولا ريب أن الطعن في الدين أعظم من الطعن بالرمح والسيف". (*)

وعن آداب الكلام، كتب الماوردي يقول:

واعلم أن للكلام آدابا إن أغفلها المتكلم، أذهب رونق كلامه، وطمس بهجة بيانه، ولها الناس عن محاسن فضله، بمساوئ أدبه، فعدلوا عن مناقبه، بذكر مثالبه. ـ فمن آدابه ألا يتجاوز في مدح، ولا يُسرف في ذم، وإن كانت النزاهة عن الذم كرماً والتجاوز في المدح مَلقاً يصدر عن مهانة.

ـ ومن آدابه ألا تبعثه الرغبة والرهبة على الاسترسال في وعد أو وعيد، يعجز عنهما، ولا يقدر على الوفاء بهما، فيصير وعده نَكثاً ووعيده عجزا.

ـ ومن آدابه أن يراعي مخارج كلامه، بحسب مقاصده وأغراضه، فإن كان ترغيبا قرنه باللين واللطف، لأن لين اللفظ في الترهيب وخشونته في الترغيب، خروج عن موضعهما، وتعطيل للمقصود بهما، فيصير الكلام لغواً والغرض المقصود لهوا. ـ ومن آدابه ألا يرفع بكلامه صوتا مستكرهاً، ولا ينزعج له انزعاجا مستهجنا، وليكفَّ عن حركة تكون طيشا...فإن نقص الطيش أكثر من فضل البلاغة. وقد حكي أن الحجاج قال لأعرابي: أخطيب أنا؟ قال: نعم لولا أنك تكثر الردّ، وتشير باليد، وتقول أما: بعد.

ـ ومن آدابه أن يعدِل إلى الكناية عما يُستقبح صريحه ويُستهجنُ فصيحه، ليبلغ الغرض ولسانه نَـِزه، وأدبه مَصُون.

ـ و من آدابه أن يجتنب أمثال العامة الغوغاء، فلا تجد لساقط إلا مثلا ساقطا، وتشبيها مستقبحا...فالأمثال من هواجس الهمم، وخطرات النفوس، ولم يكن لذي الهمة الساقطة إلا مثلٌ مرذول، وتشبيه معلول...وربما ألف المتخصص مثلاً عاميا أو تشبيها ركيكا، لكثرة ما يطرق سمعه من مخالطة الأرذال، فيسترسل في ضربه مثلاً، فيصير به مثلاً. وللأمثال من الكلام موقع في الأسماع، وتأثير في القلوب لا يكاد الكلام المرسَل يبلغ مبلغها. (*)

وسدّاً لأبواب الخلاف والتنازع بين أتباع الرسل والأنبياء، نهى الإسلام عن التفضيل بين أنبياء الله عز وجل. قال الله تعالى:" قولوا آمنا بالله وما ُأنزلَ إلينا وما ُأنزل إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ ويعقوبَ والأسباطِ وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون مِن ربهم لا نفرق بين أحدٍ منهم ونحن له مسلمون"(سورة البقرة: 136). وعن أبي هريرة قال" بينما يهودي يعرض سلعة له ُأعطي بها شيئا كرِهه أو لم يرضه قال لا والذي اصطفى موسى عليه السلام على البشر قال فسمعه رجل من الأنصار فلطم وجهه قال تقول والذي اصطفى موسى عليه السلام على البشر ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا. قال فذهب اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال : يا أبا القاسم إن لي ذمة وعهدا؛ وقال فلان لطم وجهي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لِمَ لطمت وجهه؟ قال : قال يا رسول الله والذي اصطفى موسى عليه السلام على البشر وأنت بين أظهرنا. قال : فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عُرف الغضب في وجهه، ثم قال لا : تُفضلوا بين أنبياء الله[أي تفضيلا يؤدي إلى تنقيص الآخر] فإنه يُنفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله؛ قال : ثم يُنفخ فيه أخرى فأكون أول مَن بُعث، أو في أول مَنْ بُعث فإذا موسى عليه السلام آخذٌ بالعرش فلا أدري أحُوسب بصعقته يوم الطور أو بُعث قبلي، ولا أقول إن أحدا أفضل من يونس بن َمتَّى عليه السلام". (*)

9 ـ الِبرّ

قال الله تعالى : " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولمْ يُخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين " (سورة الممتحنة:8). ففي إطار صلة الوالد غير المسلم مثلا، قالت أسماء ابنة أبي بكر رضي الله عنها : "أتتني أمي راغبة، في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم، آصلها؟ قال : نعم. قال ابن عُيَيْنة: فأنزل الله تعالى فيها : " لا ينهاكم الله عن الذين لم يُقاتلوكم في الدين " [سورة الممتحنة:8]. (*) فقد يعتنق الابن الإسلام ويبقى الأب على غير الإسلام. فيدعو الإسلام الابن أن يظل طيب الصحبة مع أبيه مع اختلاف الدين. قال تعالى : " وإن جاهداك على أن تُشرك بي ما ليس لك به علم فلا تُطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا "(سورة لقمان:15).

وفي إطار التضامن الاجتماعي، ذكر أبو عبيد في الأموال مثلا : عن سهيل بن أبي صالح عن رجل من الأنصار قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمان ـ وهو بالعراق ـ " أن أخرجْ للناس أعطياتهم" فكتب إليه عبد الحميد : "إني قد أخرجت للناس أعطياتهم، وبقي في بيت المال مال "فكتب إليه : "أن انظر كل من أدان [بمعنى استدان] في غير سفه ولا سَرَف؛ فاقض عنه، "فكتب إليه : إني قد قضيت عنهم، وبقي في بيت مال المسلمين مال" فكتب إليه: "أن أنظر كل بكر [وهو الفتى الذي لم يتزوج ويقابله الثيب] ليس له مال فشاء أن تزوجه فزوجه وأصدق عنه [أي ادفع له الصداق وهو المهر]" فكتب إليه : إني قد زوجت كل من وجدت، وقد بقي في بيت مال المسلمين مال" فكتب إليه بعد مخرج هذا "أن انظر من كانت عليه جزية فضَعُفَ عن أرضه فأسلفه[أي أعطه سلفة]ما يقوى به على عمل أرضه فإنا لا نريدهم لعام ولا لعامين". (*)

وفي إطار الإحسان المالي لأهل الذمة والرفق بهم، ذكر ابن كثير مثلا، أنهم كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من غير المسلمين فسألوا فرخص لهم فنزلت هذه الآية (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تُظلمون) و[...] عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بأن لا يتصدق إلا على أهل الإسلام حتى نزلت هذه الآية (ليس عليك هداهم) إلى آخرها فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين". (*)

وذكر أبو عبيد في باب إعطاء أهل الذمة من الصدقة :

فأما غير الفريضة فقد نزل الكتاب بالرخصة فيها، وجرت به السنة، فعن ابن عباس، كان أناس لهم أنساب وقرابة من قريظة والنظير، وكانوا يتقون أن يتصدقوا عليهم، فنزلت (ليس عليك هداهم...).

وعن سعيد بن المسيب: أن رسول صلى الله عليه وسلم تصدق على أهل بيت من اليهود فهي تجري عليهم [أي بعد وفاته صلى الله عليه وسلم].

وعن يزيد بن الهاد، أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم تصدقت على ذوي قرابة لها، فهما يهوديان...

وعن عبد الله بن مروان قال : قلت لمجاهد :"إن لي قرابة مشركاً : ولي عليه دين، أفأتركه له؟ قال: نعم، وصله".

وذكر حجاج عن ابن جريج في قوله تبارك وتعالى : "ويُطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا" قال لم يكن الأسير يومئذ إلا من غير المسلمين. وعن أبي ميسرة قال:" كانوا يجمعون إليه صدقة الفطر، فيعطيها، أو يعطي منها الرهبان". (*)

وفي إطار ما يُعرف اليوم بالإعفاء الضريبي، فقد كتب ابن القيم يقول مثلا : "ولا جزية على فقير عاجز عن أدائها. هذا قول الجمهور. فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها. وقواعد الشريعة كلها تقتضي ألا تجب على عاجز كالزكاة والدِّية والكفارة والخراج،" لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها"[الطلاق: 7]. ولا حرام مع ضرورة...وقد تقدم أن عمر رضي الله عنه أجرى على السائل الذمي رزقه من بيت المال، فكيف يكلف أداء الجزية، وهو يرزق من بيت مال المسلمين". (*)

وعن هشام بن حكيم أنه مر على أناس من الأنباط بالشام قد أقيموا في الشمس، فقال ما شأنهم؟ قَالُوا: حُبِسُوا فِي الْجِزْيَةِ، فَقَالَ هِشَامٌ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا». (*)

وفي إطار الدعاء لغير المسلمين (وليس الدعاء عليهم)، رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه: قدم الطفيل بنُ عمرو على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله، إن دَوْساً قد عصت وأبتْ فادع الله عليها، فظن الناس أنه يدعو عليهم، فقال : "اللهم اهد دوساً وْأتِ بهمْ". (*)

ولما رَدَّ أصحاب الطائف رسول الله رَدًّا مُشِيناً تألم لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث الله له ملك الجبال ليأمره بما يفعل في شأنهم. جاء في صحيح البخاري أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : "هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ : لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ؛ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي؛ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ؛ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ. فَقَالَ : ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا".

وفي إطار احترام جنائز غير المسلمين، يجدر التذكير بأن الحرمة الشخصية في الإسلام لا تقتصر على الأحياء، بل تشمل الأحياء والأموات على حد سواء. فعن جابر بن عبد الله رضي الله قال : "مرَّتْ بنا جنازة، فقام لها النبي صلى الله عليه وسلم وقُمنا به، فقلنا يا رسول الله، إنها جنازة يهودي؟ فقال :"إذا رأيتم الجنازة فقوموا". (*) وفي رواية أخرى عن جابر بن عبد الله رضي الله قال : "مرَّتْ جنازة فقام لها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقُمنا معه، فقلنا يا رسول الله، إنها يهودية؟ فقال : إن الموت فزعٌ فإذا رأيتم الجنازة فقوموا". (*) وعن أبي الزبير أنه سمع جابرا يقول : قام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لجنازة يهودي حتى توارت. (*) وكان سهل بن حُنَيْف وقَيْس بن سَعْد قاعديْن بالقادسية، فمَروا عليهما بجنازة فقاما، فقيل لهما: إنها من أهل الأرض، أي من أهل الذمة، فقالا : إن النبي صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام، فقيل له : إنها جنازة يهودي، فقال : "أليستْ نفساً". (*)

وعن حرمة القبور في الإسلام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلا : "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرقَ ثيابه فتَخْلـُصَ إلى جلده خيرٌ له من أن يجلس على قبر". (*)

10ـ العـفـو

قال الله تعالى:" فاعْفُوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير "(سورة البقرة:109). وقال تعالى:" الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين "(سورة آل عمران: 134). وقال تعالى : " وليَعْفُو وليَصْفَحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم "(سورة النور:22). وقال تعالى: "وأنْ تعفو أقربُ للتقوى " (سورة البقرة: 237). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "اعف عمن ظلمك، وصل من قطعك، وأحسِنْ إلى من أساء إليك، وقل الحق ولو على نفسك". (*)

ولم يكتف خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم بأن يأمر بالعفو بل طبقه تطبيقا في حياته، فقد حكم مثلا بالعفو على يهود بني قينقاع ولم يقتلهم وهم سبع مائة مقاتل، وعفا عن حبان من بني ثعلبة، كما عفا عن دعثور الذي أراد قتله، وعفا عن فرات بن حيان، وعفا عن بني النضير من القتل رغم غدرهم به، وعفا عن مائة بيت من بني المصطلق وأعتقهم، وعفا عن سبعين من المشركين في غزوة الحديبية جاءوا يريدون البطش بالمسلمين، وعفا عن جميع أسرى مكة إلا قلة، وعفا عن الرجل الذي أرسله أبو سفيان ليقتله غدرا بالمدينة، وعفا عن رسولي كسرى وقد هدداه، وأعطى لأحدهما هدية، وعفا عن كعب بن زهير رغم ما قاله فيه صلى الله عليه وسلم، وعفا عن أسرى خيبر بعد استسلامهم له، وعفا عن أهل مالك بن عوف وزاده هدية تقدر بمائة من الإبل، وعفا عن الأسرى من بني تميم، وعفا عن أكدير صاحب دومة الجندل وكان ملكا عليها، وعفا عن ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة عندما جاءت به خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثمامة للإشارة هو الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : "والله ما كان على الأرض أبغض لي من وجهك، وقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي"، إلخ. (*)

ثالثا ـ أبعاد التسامح

أ ـ البُعـد السياسي والاجتماعي

يقتضي التسامح على مستوى الدولة ضمان العدالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وعدم التحيز على مستوى التشريع وتفعيل القوانين والمساطر الإدارية. وقد يتجسد عدم التسامح في تهميش الفئات المستضعفة، وإقصائها من المشاركة في العملية التنموية، وممارسة العنف والتمييز ضدها، وهذا ما يؤدي إلى "الإحباط والعدوانية والتعصب" على حد تعبير إعلان "مبادئ التسامح" الآنفة الذكر.

ج ـ البعـد الثقافي

يسمح المقترب الثقافي للعلاقات الدولية ـ من خلال أدواته التحليلية الغنية ـ بتسليط الأضواء على موضوع التسامح من زوايا أخرى، وذلك من خلال التركيز مثلا على الدراسة المقارِنة لرؤى العالم السائدة في عدة مجتمعات، وتحليل الإدراكات، والصور النمطية أو الآراء الجاهزة، والقيم السائدة وأنماط التفكير ودراسة "الطابع القومي" التي تستهدف اكتشاف الشخصية الجماعية (*) ودراسة الأسلوب القومي (*) التي تبحث عن الطريقة التي تتفاعل بها هذه الشخصية الجماعية مع بيئتها وتؤثر فيها (مع مراعاة القاعدة والاستثناء).

ولأن البعد الثقافي للتسامح واسع جدا، فقد يكون من المفيد اختيار نموذج الرسوم المسيئة لخاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم كصورة كاشفة تختزل مجموعة من العلاقات المعقدة. وقد لخص الأمين العام للأمم المتحدة المشكل يومئذ بقوله: "إن هناك شعورا بأن الفجوة الفاصلة بين العالم الإسلامي وعالم المجتمعات الغربية آخذة في الاتساع وأن كلا العالمين لا يفهم الآخر. و[...] توتر المشاعر الذي شهدناه في الأسابيع القليلة الماضية، ينبع من مخزون دفين من سوء الظن والاستياء ظل حبيس الصدور لفترة طويلة قبل نشر الرسوم المسيئة لمشاعر المسلمين. فالأزمة الحالية إنما هي في الحقيقة انعكاس لأزمة أعمق وأقدم. و[...] بمقدوري أن أقول إن معظم غير المسلمين في المجتمعات الغربية لا تستهويهم الإساءة إلى الطائفة المسلمة فيها، وإن معظم المسلمين لا يرون أن العنف أو أعمال التدمير هو الرد الصحيح...". (*)

وإذا كانت بعض أجهزة الإعلام تساهم عن علم في إيغار الصدور ولا تتورع في نشر وترجمة وتوزيع ما يسيء لهذه الطائفة أو تلك ـ تحت شعار "حرية التعبير والحق في النقد الساخر" مع الاستعانة بمختلف أساليب التعتيم الإعلامي من كذب وتشويه أو إخفاء للحقيقة ـ فإن أجهزة أخرى جديرة بالاحترام تقدر حق التقدير مسؤولية عملها وتمتنع عن كل ما يسيء لهذه الجهة أو تلك. وهكذا مثلا، فقد رفضت دار نشر يابانية خلال شهر فبراير 2007 نشر رواية لكاتب دنماركي تسيء للإسلام، حيث أكد وكيل دار النشر في كوبنهاجن أن نشرها يسيء لمشاعر قرائها من المسلمين. ورفضت الدار قبول فكرة بطل الرواية الإرهابي المسلم الذي ينوي القيام بأعمال إرهابية كراهية في الغرب.

خاتمة:

إن الشخصية المتزنة والإيجابية، كما جسدها أحسن تجسيد خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله، هي التي تعفو وتصفح، وتحلـُم ولا تجهل، وتُصلح ولا تُفسد، وترحم ولا تبطش، وتُؤَمِّن ولا تُرَوّع، وتفي بالعهد ولا تغدر، وتتفاعل أكثر مما تنفعل : فهي التي تملك نفسها عند الغضب، لأن الشديد من الرجال ليس هو الذي يصرع الرجال صرعاً، وإنما كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو الذي يملك نفسه عند الغضب.

وأيا كانت الوصفات العلاجية لضيق الصدور، فستبقى ناقصة وبدون أية فائدة إذا لم يعجل أصحابها باستئصال الأسباب الذاتية المهددة لسلامة القلوب والعقول، ويتعلق الأمر أساسا على مستوى التسامح بضرورة الاجتهاد في إطفاء نيران الاستكبار والحسد والحقد المتبادل وعشق الظلم والعدوان، فهذه النيران تلتهم القلوب التهاما فتعميها، وتُتلف العقول إتلافا فتعطلها.

ومن شأن أي تقصير من قبل علماء المسلمين في إبراز الصورة الحقيقية لدينهم، المساهمة في ترسيخ المزيد من الصور النمطية السلبية عن الإسلام والمسلمين في أذهان الآخرين، وهي الصور التي لا تخدم التسامح المتبادل بأي وجه من الوجوه.